مُهمة المثقف

 

حسين الراوي 

ما الثقافة؟ ومن هو المثقف؟ وما مهمته؟

ترددتُ كثيراً قبل اختيار العنوان المناسب، ففكرت في «رسالة المثقف»، ثم بدا لي أن الرسالة محدودة بشروطها ومجالها وزمانها، وأنها لا تتسع لما أريد قوله. ثم فكرت في «دور المثقف»، غير أن مفهوم الدور نفسه يبدو محكوماً بإطار ضيق من الزمان والمكان والأشخاص، بينما الذي أبحث عنه أوسع من ذلك كله.

فاستقرّ بي التأمل على «مهمة المثقف»، إذ بدت لي الأكثر عمقاً واتساعاً، لأنها لا تُقيد المثقف بوظيفة عابرة، بل تفتح أمامه أفقاً من الطموح الروحي، واليقظة الذهنية، والاتساع الفكري، والثقة بما يملك من معرفة وتجربة ورؤية.

يقول الدكتور علي الحدري في (مفهوم الثقافة): إن جذر كلمة الثقافة في العربية يعود إلى «ثَقِفَ»، أي صار حاذقاً فطناً، وثَقِف العلم والصناعة أي أجاد فهمهما، كما يدل الفعل على الإدراك والظفر في سياقات متعددة، ومنه قوله تعالى: «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ»، وقوله: «إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً…». كما يأتي بمعنى التهذيب والتقويم، فيقال: ثقَّف الشيء أي أقام اعوجاجه وهذّبه.

أما اصطلاحاً، فالثقافة مفهوم حديث في الاستعمال، وقد جاء في المعجم الوسيط أنها تشمل العلوم والمعارف والفنون التي يُطلب فيها الإتقان والحذق.

ويرى إليوت أن للثقافة شروطاً ثلاثة: أولها البناء العضوي الذي يسمح بانتقالها داخل المجتمع، وثانيها قابليتها للتحليل إلى ثقافات محلية، وثالثها تحقيق التوازن بين الوحدة والتنوع، خصوصاً في ما يتعلق بالدين بوصفه عنصراً محورياً في تشكيل كثير من الثقافات.

أما المثقف، فيقول عبد الستار الإسماعيلي إنه داعية إصلاح، وحامل رسالة تنوير، ومشعل وعي يسهم في بناء الإنسان أخلاقياً وتربوياً ووطنياً، مستنداً إلى معرفته وتفاعله مع محيطه الاجتماعي.

ويذهب محمد عابد الجابري إلى أن المثقف هو من يشتغل على التحليل والتفكير النقدي، بهدف تجاوز العوائق التي تعيق الوصول إلى مجتمع أكثر إنسانية وعقلانية.

أما نبيل البكيري فيرى أنه الحارس لقيم الخير والعدل والحرية، والمدافع عن المظلومين، والذي لا ينبغي أن يتحول إلى جزء من خطاب الظلم أو التبرير له، وإلا فقد جوهر دوره.

ويؤكد إدوارد سعيد أن مهمة المثقف تقوم على اليقظة الدائمة، ورفض الانسياق وراء المسلمات والأفكار الجاهزة، والعمل على تفكيك القوالب التي تحدّ من حرية الفكر واتساعه.

وبعد هذا العرض لمفهوم الثقافة والمثقف ومهمته، يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية، يتعلق بعلاقة المثقف بمجتمعه، وبحضوره فيه أو غيابه عنه.

فأخلاق المثقف ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي جزء من شرعيته الفكرية، لأن المعرفة بلا أخلاق تفقد قدرتها على التأثير، بينما الأخلاق تمنح الفكر قبوله الإنساني. والمثقف الحقيقي لا يُختبر بما يقول فقط، بل بما يكونه أيضاً.

إن على المثقف أن يحمل همّ مجتمعه، لا أن يقف على هامشه، يراقب دون مشاركة أو مسؤولية. فالمعرفة ليست عزلة، بل التزام تجاه الناس وقضاياهم، وسعي إلى الإصلاح لا الاكتفاء بالتشخيص.

ويقول جيري سيكيتش في كتابه (كافة المخاطر): «لا تختبر أي إدارة اختباراً جيداً إلا في مواقف الأزمات»، وهو قول يمكن إسقاطه على حضور المثقف، إذ لا تتجلى قيمته الحقيقية إلا في لحظات الاضطراب، حين يُطلب منه أن يكون شاهداً وموقفاً لا مجرد تعليق.

ومن هنا، لا ينبغي للمثقف أن يكتفي بالمدح أو الهجوم، ولا أن يحصر خطابه في نقدٍ بلا بدائل، وإلا تحوّل إلى صوت عابر لا يضيف شيئاً إلى الوعي العام.

كما ينبغي له أن يتجنب إثارة القضايا بشكل استعراضي أو فارغ من أي أثر معرفي أو اجتماعي، لأن قيمة الفكر تقاس بما يضيفه لا بما يثيره فقط.

والمثقف، في جوهره، يجب أن يكون قريباً من الناس، منفتحاً عليهم، لا متعالياً فوقهم، يسمع كما يتكلم، ويهدي كما يتعلم، ويشاركهم همومهم لا يراقبها من بعيد.

وفي الختام، لا يمكن تجاهل صورة بعض من يُطلق عليهم اليوم لقب مثقفين في الفضاءات الرقمية، حيث تحوّل جزء من الخطاب إلى ضجيج يومي، يفتقد إلى العمق، ويستبدل القيمة بالسطحية، والفكرة بالانفعال.

إن الجمهور لا يبحث عن ضجيج جديد، بل عن معنى مختلف، وعن فكر يضيف إلى وعيه لا يستهلك وقته، وعن صوت يرفع الإنسان لا يستهلكه في تفاهات عابرة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z