متوسط دخل الأسرة العُمانية.. ماذا يخفي الرقم؟

 

 

 

 

أحمد الفقيه العجيلي

 

هناك أرقام حين تُعلنها جهة رسمية، لا تمر على الناس كما تمر بقية الأرقام؛ لأنها لا تتعلق بمشروع أو إنتاج أو صادرات، وإنما تمس حياتهم مباشرة، وتدخل في حساباتهم اليومية، وفي قدرتهم على مواجهة متطلبات الحياة، ومن هذا النوع ما أعلنه المركز الوطني للإحصاء والمعلومات من نتائج مسح دخل وإنفاق الأسرة بالذكاء الاصطناعي، الذي نُشرت نتائجه في سبتمبر 2026.

فقد أظهرت النتائج أن متوسط الدخل الشهري للأسرة العُمانية بلغ في عام 2025 نحو 1,839.3 ريالًا عُمانيًا، مقابل 1,552.6 ريالًا في عام 2018، بارتفاع نسبته 18.5 بالمائة. كما بلغ متوسط الإنفاق الشهري للأسرة العُمانية 1,058.8 ريالًا، مقابل 931.4 ريالًا في عام 2018، بارتفاع نسبته 13.7 بالمائة.

هذه أرقام تستحق القراءة، لكنها تستحق معها سؤالًا آخر: ماذا يعني هذا المتوسط بالنسبة للأسرة التي تعيش بدخل محدود، أو للأسرة التي فقدت أحد مصادر دخلها؟ فالمواطن لا ينظر إلى دخله من خلال متوسطات المجتمع، وإنما من خلال ما يدخل حسابه، وما يخرج منه، وما يتبقى له في نهاية الشهر. وقد يكون الرقم المعلن صحيحًا من الناحية الحسابية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يصف حياة كل أسرة، أو يعكس أوضاعها.

وهنا تبدأ المسألة التي تستحق التوقف عندها: هل يكفي أن يرتفع متوسط دخل الأسرة حتى نقول إن مستوى معيشتها قد تحسن؟ أم أن هناك فرقًا بين ارتفاع الدخل في الأرقام، وبين ما يستطيع هذا الدخل أن يحققه في الحياة اليومية للمواطن؟

من الناحية العلمية، لا يصح الحكم على الدراسة بالخطأ لمجرد أن نتائجها لم تقنع بعض الناس؛ فالإحصاء يقوم على منهجيات وبيانات ونماذج، وليس على الانطباعات.

لكن العِلم نفسه لا يمنع طرح الأسئلة حول تلك المنهجيات، بل إن طرح الأسئلة والتحقق من النتائج جزء من العمل العلمي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمؤشر اقتصادي واجتماعي واسع التأثير.

والذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته على معالجة البيانات وتحليلها، لا يلغي أهمية البيانات التي يعمل عليها. فإذا كانت البيانات غير مكتملة أو لا تمثل المجتمع بالقدر الكافي، فلن تحل التقنية المشكلة وحدها.

ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل استُخدم الذكاء الاصطناعي؟ وإنما: كيف استُخدم؟ وما البيانات التي بُنيت عليها النتائج؟ وكيف جرى التحقق من دقة المخرجات؟

وهذه أسئلة لا تنتقص من أهمية المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بل تؤكد أهمية دوره. فكلما كانت الإحصاءات أكثر وضوحًا في تعريفاتها ومنهجياتها، أصبحت قراءتها أسهل، وزادت الثقة بها، وأصبح النقاش حولها أكثر فائدة.

لكن المسألة لا تتعلق بالتقنية وحدها، وإنما بطريقة قراءة الرقم أيضًا. فعندما نقول إن متوسط دخل الأسرة العُمانية بلغ 1,839.3 ريالًا، فإننا نتحدث عن متوسط حسابي، وليس بالضرورة عن الدخل الذي تحصل عليه الأسرة الأكثر شيوعًا.

فقد توجد أسر ذات دخول مرتفعة ترفع المتوسط، بينما توجد أسر أخرى عند مستويات أقل بكثير.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق إعلان متوسط الدخل هو: كيف تتوزع الأسر حول هذا المتوسط؟ وما مستوى دخل الأسرة التي تقع في منتصف هذا التوزيع؟ وما نسبة الأسر التي تقع في شرائح الدخل المختلفة؟

هذه التفاصيل هي التي تجعل الرقم أقرب إلى الواقع؛ فالمجتمع لا يتكون من متوسط واحد، والأسرة التي لديها أكثر من مصدر دخل ليست كالأسرة التي تعتمد على راتب واحد، كما أن اختلاف عدد أفراد الأسرة والتزاماتها يجعل القدرة على الإنفاق مختلفة من أسرة إلى أخرى.

وقد تكون هذه هي المسافة التي يشعر بها المواطن بين الرقم وحياته؛ فالمواطن الذي يحصل على دخل محدود لا يهمه كثيرًا أن يعرف أن متوسط دخل الأسرة ارتفع، بقدر ما يهمه أن يعرف هل تحسنت قدرته على تلبية احتياجاته. والأسرة التي تعتمد على دخل واحد لا تعيش بالضرورة الأوضاع نفسها التي تعيشها أسرة لديها أكثر من مصدر للدخل.

ومن هنا فإن قراءة دخل الأسرة يجب ألا تنفصل عن قراءة توزيع الدخل، لأن المتوسط قد يخبرنا عن مستوى عام، لكنه لا يخبرنا وحده عن كيفية وصول الدخل إلى الأسر المختلفة.

ثم يأتي عامل آخر لا يقل أهمية: الأسعار؛ فقد أوضحت وزارة الاقتصاد أن متوسط التضخم في سلطنة عُمان خلال الفترة من 2021 إلى 2024 بلغ 1.4 بالمائة، وهو مستوى معتدل نسبيًا.

لكن الصورة تغيرت خلال عام 2026؛ فقد بلغ معدل التضخم 3.4 بالمائة في أغسطس على أساس سنوي، بينما بلغ متوسطه خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام نحو 2.9 بالمائة.

وهنا لا بُد من التمييز بين ارتفاع الأسعار والقدرة الشرائية للأسرة. فارتفاع الأسعار يعني أن الريال يشتري كمية أقل من السلع والخدمات، لكن أثر ذلك على الأسرة يعتمد أيضًا على ما إذا كان دخلها قد ارتفع بالقدر نفسه أو بأكثر منه. فإذا ارتفعت الأسعار أسرع من الدخل، تراجعت القدرة الشرائية، وإذا ارتفع الدخل أسرع من الأسعار، تحسنت القدرة الشرائية من حيث المبدأ.

كما أن معدل التضخم العام لا يعكس بالضرورة ما تواجهه كل أسرة، لأن الأسر تختلف في أنماط إنفاقها؛ فالأسرة التي يذهب جزء كبير من دخلها إلى الغذاء والنقل، مثلًا، قد تشعر بارتفاع الأسعار بصورة أكبر من أسرة تختلف تركيبة إنفاقها.

فالأسرة لا تشتري «الريال»، وإنما تشتري بالريال احتياجاتها.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم زاد دخل الأسرة؟ بل: ماذا يستطيع هذا الدخل أن يشتري اليوم مقارنة بما كان يستطيع شراءه قبل سنوات؟

وهذه هي الفكرة الأساسية وراء الحديث عن الدخل الحقيقي؛ أي مقدار ما يستطيع الدخل شراءه بعد أخذ تغير الأسعار في الاعتبار.

وهذا يقودنا إلى الإنفاق. فإذا أظهرت النتائج أن متوسط إنفاق الأسرة العُمانية بلغ 1,058.8 ريالًا، فلا ينبغي أن نقرأ الرقم باعتباره المبلغ الذي تحتاجه كل أسرة لكي تعيش بالطريقة نفسها؛ فهو متوسط لما تنفقه الأسر، لكنه لا يخبرنا وحده عن الاحتياجات التي تستطيع الأسر تلبيتها، أو تلك التي تضطر إلى تأجيلها أو الاستغناء عنها.

والأسرة التي تقلل شراء بعض الأغذية، أو تؤجل شراء الملابس، أو تستغني عن السفر والترفيه، أو تؤجل صيانة سيارتها، قد تظهر في الإحصاء على أنها تنفق أقل. لكن انخفاض الإنفاق هنا لا يعني بالضرورة تحسن وضعها المالي؛ فقد يكون نتيجة اضطرارها إلى تقليص بعض احتياجاتها.

وهذه نقطة مهمة في فهم الواقع المعيشي: ليس كل انخفاض في الإنفاق دليلًا على تحسن الوضع، كما أن كل ارتفاع في الدخل لا يعني بالضرورة تحسنًا مماثلًا في مستوى الحياة. ولهذا فإن مسح دخل وإنفاق الأسرة يتجاوز الجانب الاجتماعي إلى الاقتصاد نفسه.

السوق لا يتحرك بالأرقام المعلنة فقط، وإنما بما يملكه الناس من قدرة فعلية على الشراء. وعندما تضطر الأسر إلى تقليل مشترياتها أو تأجيل بعض احتياجاتها، فإن ذلك يمكن أن ينعكس على حركة المحلات والأنشطة التجارية والخدمات.

قد يحدد التاجر السعر الذي يراه مناسبًا، لكن قدرة المستهلك على الشراء تظل مرتبطة بدخله والتزاماته. وإذا اتسعت الفجوة بين الأسعار والدخول، فإن سلوك المستهلك يتغير، وقد تتأثر أنماط الطلب في بعض القطاعات.

ولهذا فإن مسح دخل وإنفاق الأسرة ليس دراسة اجتماعية فقط، وإنما هو أيضًا أداة مهمة لفهم الاقتصاد المحلي. فدخل الأسرة وإنفاقها وقدرتها الشرائية ترتبط بحركة السوق، وبقرارات الأسر، وبالفرص التي يستطيع الاقتصاد توفيرها للمواطنين.

ولا يعني ذلك أن نطلب من الإحصاءات أن تقدم صورة سلبية عن المجتمع، وإنما أن تقدم صورة كاملة؛ فالإحصاء الجيد ليس الذي يطمئن الناس فقط، ولا الذي يثير القلق فقط، بل الذي يصف الواقع كما هو، بكل تفاوتاته وتحدياته.

ومن هنا أرى أن النقاش حول نتائج المسح ينبغي أن يتجاوز سؤال: هل الرقم صحيح أم خاطئ؟

إلى أسئلة أكثر فائدة: هل يعكس متوسط دخل الأسرة توزيع الدخول في المجتمع؟ كم عدد الأسر التي تقع في شرائح الدخل المختلفة؟ كم عدد الأسر التي تعتمد على مصدر دخل واحد؟ كيف تغيرت القدرة الشرائية للأسر باختلاف مستويات دخلها؟ وهل نستطيع أن نعرف بصورة أوضح الفرق بين ارتفاع الدخل في الأرقام، وارتفاع قدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها؟

هذه الأسئلة لا تعني التشكيك في العمل الإحصائي، وإنما تعكس الحاجة إلى أن تكون البيانات أكثر تفصيلًا، وأن تكون قادرة على الإجابة عن الأسئلة التي تهم الناس وصانع القرار في الوقت نفسه.

فكلما عرفنا توزيع الدخول، وأنماط الإنفاق، والفروق بين الأسر، أصبح من الممكن أن نفهم المجتمع بصورة أفضل، وأن نحدد الفئات التي تحتاج إلى دعم أو تدخل، وأن نقيس أثر السياسات الاقتصادية على حياة الناس بصورة أكثر دقة.

وفي النهاية، لا أعتقد أننا بحاجة إلى الاختيار بين الإحصاء والواقع. نحن بحاجة إلى إحصاء يشرح الواقع؛ فالمواطن لا يعيش في المتوسطات، ولا يدفع التزاماته بالمتوسطات، ولا يشتري احتياجاته بالمتوسطات. كل أسرة تعيش دخلها الخاص، وأسعارها الخاصة، والتزاماتها الخاصة.

ولهذا فإن قيمة مثل هذه الدراسات لا تكون في الرقم الذي تتصدر به العناوين، وإنما في قدرتها على أن تخبرنا بما وراء الرقم: كيف يتوزع الدخل؟ ومن الذي يعيش فوق المتوسط ومن يعيش دونه؟ وكيف تغيرت قدرة الأسر المختلفة على تلبية احتياجاتها؟

فالرقم مهم، لكن الأهم أن نعرف ماذا يقول عن حياة الناس!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z