د. أحمد بن محمد الهنائي **
ثالثًا: الموقع الوظيفي للوالي في منظومة الإدارة المحلية
يتحدد هذا الموقع من خلال النظر إلى الطبيعة الوظيفية بين الوالي والمحافظ، وحدود الطبيعة العلائقية بكل من فرع البلدية وسائر الوحدات الحكومية في المحافظة، وذلك على النحو الآتي بيانه:
التكامل الوظيفي بين الوالي والمحافظ
يتصل عمل الوالي باختصاصات المحافظ اتصالاً مباشرًا من خلال تمثيل المحافظ للحكومة، عبر الإشراف على تنفيذ السياسة العامة للدولة في المحافظة، وإعداد مشروعات خطط التنمية، ومتابعة تنفيذها، والتنسيق مع رؤساء الوحدات الحكومية في ضوء التقارير التي ترفع إليه من الولاة. وفي المقابل، يرفع الوالي ما يرصده من ملاحظات واحتياجات ومقترحات إلى المحافظ. والبين من خلال هذا المسار انتقال المعرفة بالواقع المحلي من مستوى الولاية إلى مستوى المحافظة، وذلك لترجمتها إلى توجيه أو تنسيق أو معالجة من قبل الجهات المختصة.
حدود العلاقة الوظيفية مع البلدية والوحدات الحكومية
يمارس الوالي في علاقته بفرع البلدية وفروع الوحدات الحكومية دور المتابعة ورفع التقارير، مع بقاء كل جهة خاضعة للسلطة الإدارية التابعة لها، وهذه الحدود ضرورية لحماية البنية الهيكلية للإدارات اللامركزية، واختصاصاتها، ومنع التداخل والتضارب في الاختصاصات الوظيفية، ومن ثم لا يكون للوالي الحلول في ممارسة اختصاصات فرع البلدية أو الإدارات اللامركزية للوحدات الحكومية، وإنما يكون له نقل صورة واقعية عن مستوى الخدمات والاحتياجات الخاصة بالولاية إلى المحافظ والجهات الحكومية المختصة لوحدات الجهاز الإداري .
رابعًا: التحول المؤسسي لدور الوالي وآثاره العملية:
أبان التحول المؤسسي لدور الوالي – بموجب نظام المحافظات – على العديد من الآثار، أبرزها:
إدماج مكتب الوالي في البنية الإدارية للمحافظة:
يؤدي تنظيم مكاتب الولاة ضمن موارد المحافظات وهياكلها الإدارية إلى تعزيز الطابع المؤسسي لعملها، وإلى ربط المتابعة اليومية للوالي ببرامج المحافظة وخططها وأولوياتها. وهذا الإدماج لا يلغي خصوصية المركز الوظيفي للوالي، بل يمنح ممارسة اختصاصاته إطارًا أكثر اتصالاً بالتخطيط والمتابعة والتنفيذ على مستوى المحافظة.
تكامل الأدوار في منظومة الإدارة المحلية:
تتجلى قيمة دور الوالي في كونه حلقة وصل بين المجتمع المحلي والولاية من جانب، والمحافظة والجهات الحكومية من جانب آخر. حيث إن الوالي يعد الجهة الأقرب إلى الوقائع اليومية واحتياجات المواطنين، فيما يمتلك المحافظ نطاقًا أوسع للتنسيق وتوجيه المتطلبات إلى الجهات المختصة. وكلما كانت التقارير دقيقة، وقنوات الاتصال واضحة، والاستجابة مؤطرة زمنيًا، أمكن لهذه العلاقة أن تساهم في رفع كفاءة الخدمات وتحسين أثر البرامج التنموية.
متطلبات التمكين المؤسسي لفاعلية دور الوالي:
يستلزم نجاح اختصاصات المتابعة والتنمية ورفع التقارير أدوات مؤسسية تدعم جودة الأداء، منها على سبيل المثال لا الحصر: قواعد معلومات محدثة، نماذج موحدة للتقارير، مؤشرات موضوعية لقياس مستوى الخدمات، وآليات واضحة لتتبع الملاحظات والاحتياجات والمقترحات. وغني عن البيان أنَّ هذه الأدوات لا تمثل اختصاصات جديدة، وإنما وسائل عملية لتحويل المتابعة من ملاحظات متفرقة إلى معرفة إدارية قابلة للتحليل والمتابعة والتوجيه.
وصفوة القول؛ إن تطور دور الوالي لا يعني تجاوز الطبيعة القانونية لوظيفته أو الانتقاص من اختصاصات الجهات الحكومية الأخرى، وإنما يعكس إعادة تنظيم هذا الدور داخل منظومة المحافظة، بما يعزز الاتصال بالمجتمع المحلي، ويرفد التخطيط التنموي بالمعلومات والاحتياجات الواقعية، ويؤكد في الوقت ذاته من أهمية التكامل بين الوالي والمحافظ والبلدية والوحدات الحكومية المختصة. ولا غرو أن نجاح هذا الدور لا يقاس باتساع الاختصاصات، بل بوضوح حدودها، وجودة المعلومات التي تستند إليها، وسرعة التفاعل المؤسسي معها، وقدرة منظومة المحافظة على ترجمة احتياجات الولاية إلى نتائج ملموسة.
وتعزيزًا لدور الوالي في تفعيل الإدارة المحلية، نرفع إلى وزارة الداخلية دراسة التوصيات الآتية:
- تطوير الإطار التنظيمي لاختصاصات الوالي بما يواكب متطلبات الإدارة المحلية الحديثة، وبيان دقة الأدوار وتكاملها مع مختلف الوحدات الحكومية الأخرى.
- إشراك مكاتب الولاة في مرحلة مبكرة عند إعداد القرارات والتشريعات ذات الصلة بالشأن المحلي، بما يعزز مواءمتها لخصوصية كل ولاية وأولوياتها التنموية.
- بناء شراكات محلية منظمة بين مكاتب الولاة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، لتوجيه المبادرات المجتمعية نحو الأولويات التنموية لكل ولاية.
- اعتماد تقارير دورية لقياس أثر القرارات والمشروعات المحلية على مستوى الولاية، لتحديد العائد الاقتصادي والاجتماعي، الذي يمكن البناء عليه في تطوير الخدمات وتوجيه الأولويات التنموية.
- انشاء منصة رقمية مشتركة تربط مكاتب الولاة بالمحافظات والمجالس البلدية والجهات الحكومية ذات الصلة، لتبادل المعلومات، ومتابعة المشروعات المحلية، وقياس مستوى الإنجاز.
** دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية
