الرؤية- خاص
تحتفل جمهورية أرمينيا هذا العام بالذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلالها، فقبل خمسة وثلاثين عامًا، صوّت الشعب الأرمني في استفتاء تاريخي بـ"نعم للاستقلال عن الاتحاد السوفيتي" وإقامة جمهورية أرمينيا المستقلة والديمقراطية.
وفي ذلك اليوم التاريخي، استعاد الشعب الأرمني دولته وحقه في العيش بحرية، والحفاظ على هويته وثقافته وتقاليده، وصياغة مستقبله بإرادته. وقد أثبت التاريخ أن الاستقلال والسيادة والدولة تشكل الضمانات الحقيقية للحفاظ على هويتنا الوطنية وازدهارنا كأمة.
وعلى الرغم من أن الطريق إلى استقلال أرمينيا، وكذلك السنوات الخمس والثلاثين الماضية، لم تكن سهلة، بل كانت حافلة بالتحديات والصعوبات، فإن الاستقلال يستحق بلا شك كل جهد وتضحية، ويواصل الشعب الأرمني مسيرته نحو بناء دولة قوية وديمقراطية ومزدهرة.
واليوم، تتكيف أرمينيا سياسيًا واقتصاديًا مع التحولات الجيوسياسية العميقة التي يشهدها العالم، حيث باتت التطورات في منطقة ما تؤثر بصورة متزايدة في دول ومجتمعات بعيدة عنها جغرافيًا. وتذكّرنا هذه التحديات بأن السلام والاستقرار مسؤولية مشتركة، وأن لكل دولة دورًا في بناء نظام دولي قائم على التعاون والاحترام والاستقرار، بما يتيح لجميع الشعوب فرصة العيش والعمل والازدهار في سلام وكرامة.
وفي هذا السياق، يمثل التعاون الدولي مفتاحًا لبناء مستقبل مشترك أفضل للجميع، وينبغي للدول، بصفتها أعضاء في المجتمع الدولي، أن تتعاون واضعة هذا الهدف الأوسع نصب أعينها. وانطلاقًا من هذه الرؤية، أولت أرمينيا، منذ استقلالها، أهمية خاصة لعلاقاتها مع العالم العربي. كما أن علاقاتنا مع المنطقة تستند إلى الحضور التاريخي العريق للجاليات الأرمنية في الدول العربية، التي أسهمت على مدى قرون إسهامًا بارزًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية لهذه الدول، وشكلت في الوقت نفسه جسرًا مهمًا يربط أرمينيا بدول المنطقة.
وقد أقامت أرمينيا علاقات دبلوماسية مع جميع الدول العربية، كما طورت تعاونًا فاعلًا مع جامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن سلطنة عُمان كانت أول دولة عربية تقيم معها أرمينيا علاقات دبلوماسية بعد استقلالها، وذلك في عام 1992. وقد مثلت هذه الخطوة مرحلة جديدة في العلاقات الثقافية والحضارية الممتدة بين الشعبين عبر القرون، وأطلقت سلسلة من التفاعلات الإيجابية التي أسهمت في الارتقاء بعلاقاتنا إلى المستوى المتقدم الذي نشهده اليوم.
وفي سبتمبر من العام الماضي، بدأت سفارة جمهورية أرمينيا لدى سلطنة عُمان أعمالها في مسقط، لتصبح المؤسسة الدبلوماسية الحادية عشرة والأحدث التي تؤسسها أرمينيا في العالم العربي. وقد جرى الافتتاح الرسمي للسفارة في 18 مارس 2026، بحضور معالي أرارات ميرزويان ومعالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزيري خارجية البلدين.
وتتمتع أرمينيا وسلطنة عُمان بإمكانات كبيرة لتطوير تعاون متبادل المنفعة في مختلف المجالات، وتعمل السفارة بنشاط على تعزيز هذا التعاون، ولا سيما في المجالات الثقافية والتعليمية والسياحية والصحية، والطاقة المتجددة، والتجارة والاستثمار وغيرها.
وخلال الزيارة الرسمية لوزير خارجية أرمينيا والتجارة الدولية إلى سلطنة عُمان، عُقدت اجتماعات مهمة مع معالي الدكتور سعود بن حمود الحبسي وزير الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، ومعالي المهندس سعيد بن حمود المعولي، وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات. وعكست هذه الاجتماعات الأهمية التي يوليها البلدان لتعميق التعاون القطاعي الثنائي، خصوصًا في مجالات الزراعة وإنتاج الغذاء وسلامته، والنقل والخدمات اللوجستية، وتقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي.
ونتيجة للجهود المشتركة مع شركائنا العُمانيين، شهد حجم التبادل التجاري بين أرمينيا وسلطنة عُمان نموًا ملحوظًا خلال الأشهر الأخيرة، حيث وجدت الفواكه الأرمنية، بما فيها المشمش والخوخ والنكتارين والكرز، طريقها إلى السوق العُمانية. واستنادًا إلى الاتفاقات التي تم التوصل إليها بين عدد من الشركات ورجال الأعمال الأرمن والعُمانيين، نتوقع خلال الفترة المقبلة ليس فقط زيادة حجم التبادل التجاري، بل أيضًا توسيع نطاق المنتجات المتداولة بين البلدين.
وتُعد السياحة مجالًا واعدًا آخر للتعاون بين أرمينيا وسلطنة عُمان، لما لها من دور مهم في تعزيز التواصل المباشر وزيادة المعرفة المتبادلة بين الشعبين. وانطلاقًا من هذه الرؤية، ألغت حكومة أرمينيا العام الماضي متطلبات التأشيرة للمواطنين العُمانيين، وكذلك للرعايا الأجانب الحاصلين على تصاريح إقامة في سلطنة عُمان سارية لمدة ستة أشهر أو أكثر. وبادر الجانب العُماني بدوره إلى إعفاء المواطنين الأرمن من متطلبات التأشيرة.
وينبغي أن تكون خطوتنا التالية إطلاق رحلات جوية مباشرة ومنتظمة بين البلدين، وهو ما نتوقع مبدئيًا أن يتحقق في بداية العام المقبل. ونحن على ثقة بأن أرمينيا تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها لتصبح وجهة سياحية جذابة ورائجة لدى السياح العُمانيين.
كما تشكل الدبلوماسية الثقافية عنصرًا أساسيًا في علاقاتنا الدولية، إذ تتيح لنا بناء روابط متينة بين مجتمعينا على مستوى المهنيين والأكاديميين والفنانين والأفراد. ومن خلال هذه الروابط، تتعرف الدول والمجتمعات بصورة أعمق بعضها على بعض، فيما تسهم المشاريع والمبادرات المشتركة في خلق قيمة مستدامة وبناء علاقات طويلة الأمد.
وفي هذا الإطار، تحققت بالفعل إنجازات مهمة في مسيرة الحوار الثقافي بين جمهورية أرمينيا وسلطنة عُمان. فقد قدمت الأوركسترا السيمفونية الوطنية الأرمنية عروضًا عدة خلال السنوات الأخيرة في دار الأوبرا السلطانية مسقط، كما تم إرساء تعاون نشط بين متحف تاريخ أرمينيا والمتحف الوطني العُماني.
وفي إطار هذا التعاون، افتُتح رسميًا في نوفمبر من العام الماضي معرض بعنوان "على طريق اللبان: أرمينيا"، عُرضت خلاله مبخرتان أرمنيتان قيّمتان في المتحف الوطني العُماني. كما من المقرر افتتاح معرض بعنوان "يوم عُمان" في يريفان العام المقبل.
ووقّع المتحفان أيضًا اتفاقًا لإجراء دراسة مشتركة حول الإرث التاريخي للجاليات الأرمنية في سلطنة عُمان وزنجبار، بما يمثل محطة مهمة أخرى في استكشاف الجذور التاريخية لعلاقاتنا وتعميق التعاون الثقافي والعلمي بين البلدين.
وإلى جانب المجالات المذكورة، بدأت أرمينيا وعُمان تطوير التعاون في مجالات أخرى ذات اهتمام مشترك، تشمل تقنيات المعلومات والطاقة المتجددة والتنمية المستدامة والعلوم والتعليم العالي. كما أقامت سفارة جمهورية أرمينيا في مسقط علاقات عمل فاعلة مع مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية في سلطنة عُمان، إلى جانب جهاز الاستثمار العُماني وغرفة تجارة وصناعة عُمان.
وفي الشهر المقبل، ستستضيف أرمينيا الاجتماع السابع عشر لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (COP17)؛ بما يعكس التزامها الراسخ بالحفاظ على التنوع البيولوجي وتحقيق التنمية المستدامة. كما نتطلع إلى الترحيب بوفد عُماني رفيع المستوى للمشاركة في المؤتمر، ونؤمن بأن هذه المشاركة ستفتح آفاقًا إضافية للتعاون الثنائي في مجالات حماية البيئة والتنوع البيولوجي والتنمية المستدامة.
لقد قامت العلاقات بين أرمينيا وسلطنة عُمان دائمًا على مبادئ الاحترام المتبادل والصداقة، وعلى القيم المشتركة المتمثلة في التعايش السلمي والتسامح والتعاون الإقليمي والدولي. وقد دعمت أرمينيا باستمرار الجهود الرامية إلى تعزيز السلام والاستقرار والحفاظ عليهما في منطقة الشرق الأوسط، وتثمّن عاليًا، على وجه الخصوص، الدور المهم الذي تضطلع به سلطنة عُمان في هذا المجال.
وكان تنامي مكانة سلطنة عُمان وسمعتها على الساحة الدولية، ودورها المهم في المنطقة، من بين العوامل الرئيسية التي دفعت حكومة جمهورية أرمينيا إلى اتخاذ قرار إنشاء سفارة مقيمة في مسقط.
واسترشادًا بالمبادئ ذاتها المتمثلة في التعايش السلمي وحسن الجوار، عملت أرمينيا باستمرار من أجل إحلال السلام في منطقتها، جنوب القوقاز، وهي جهود شهدت تطورًا تاريخيًا في العام الماضي.
ففي 8 أغسطس 2025، استضاف رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ج. ترامب في البيت الأبيض كلًا من رئيس وزراء جمهورية أرمينيا نيكول باشينيان ورئيس جمهورية أذربيجان إلهام علييف في قمة تاريخية؛ حيث وقّع الزعيمان إعلانًا مشتركًا بشأن نتائج لقائهما في واشنطن، بحضور الرئيس الأمريكي. كما وقّع وزيرا خارجية أرمينيا وأذربيجان بالأحرف الأولى على النص المتفق عليه لمشروع «اتفاق إحلال السلام وإقامة العلاقات بين الدولتين بين جمهورية أرمينيا وجمهورية أذربيجان». وبعد مرور أكثر من عام على هذا الحدث التاريخي، حقق البلدان نتائج مهمة، مستندين إلى الأساس الذي أُرسي لإنهاء عقود من الصراع ووضع جنوب القوقاز على مسار نحو مستقبل أكثر سلامًا وازدهارًا.
كما تم وضع الأساس لمبادرة مسار ترامب للسلام والازدهار الدوليين (TRIPP)، التي تهدف إلى تعزيز الربط الإقليمي وفتح طرق المواصلات، بما يسهم في دعم السلام والاستقرار والازدهار والتكامل في المنطقة، ويفتح المجال أمام شعوبها للاستفادة بصورة أكبر من إمكاناتها الاقتصادية.
وسلطنة عُمان الصديقة كانت من بين أوائل الدول التي رحبت بهذا الإنجاز التاريخي، وقد جددت منذ ذلك الحين دعمها للجهود الرامية إلى إحلال السلام وتعزيزه في جنوب القوقاز.
وأرمينيا على ثقة بأن شركاءها في منطقة الخليج يتابعون عن كثب المبادرات الهادفة إلى توسيع نطاق الترابط الإقليمي وشبكات البنية الأساسية، وأنه من خلال الجهود المشتركة، يمكن من الاستفادة من الإمكانات القائمة وتحويلها إلى فرص ملموسة تخدم مصالح شعوب المنطقة.




