د. مريم بنت علي الهنائي
تواجه مؤسسات التعليم العالي في كثيرٍ من دول العالم بشكلٍ عام، وسلطنة عُمان بشكلٍ خاص تحديًا متزايدًا يكمن في إيجاد حالة من التوافق بين رسالتها وتخصصاتها الأكاديمية المختلفة وبين متطلبات سوق العمل المتجددة؛ إذ لم تعد البرامج والتخصصات الجامعية بمعزل عن التحولات الاقتصادية والتقنية المتنامية والمتسارعة على مستوى العالم والتي تعمل على تشكيل سوق العمل، ولذلك فإنَّ طبيعة المرحلة ومستقبل المخرجات والمهن والوظائف يتطلب مراجعة مستمرة لهذه البرامج والتخصصات كي تتواءم مع هذه المتغيرات.
وأصبح هذا الموضوع محورًا للنقاشات؛ حيث يكتسب أهمية متزايدة في ظل التحولات التي يشهدها سوق العمل وبروز مجالات وتخصصات جديدة تفرض بدورها مهارات وتخصصات لم تكن حاضرة بالزخم نفسه في السابق، وخاصةً الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتطور المتسارع في التقنيات الحديثة.
غير أن التركيز على السؤال التقليدي ما هي التخصصات التي يحتاجها سوق العمل قد لا يكون كافيًا وحده؛ بل من المهم الانتقال إلى سؤال أكثر عمقًا وهو: هل المشكلة في التخصصات ذاتها، أم في طريقتنا في التفكير في طبيعة العلاقة بينها، وآلية الخروج من أطرها التقليدية، وفي أساليب التعليم والتعلم التي نقدمها لطلابنا داخل الجامعة؟ وهل فعليًا نحن بحاجة إلى مزيد من التخصصات الجديدة، أم إلى إعادة النظر في بنية هذه التخصصات والحدود الفاصلة بينها ومدى التفاعل فيما بينها؟
لقد شهدت القضايا والتحديات التي تواجه المجتمعات تحولًا كبيرًا من حيث طبيعتها ودرجة تعقيدها؛ فلم تعد هي كما كانت في السابق، وهذا بطبيعة الحال يفرض مقاربات وحلول جديدة تستلزم التفكير خارج الأطر التقليدية. فقد برزت خلال السنوات الأخيرة تغيرات سريعة نتج عنها ظهور قضايا وتحديات جديدة لم تكن المجتمعات تواجهها من قبل بالصورة نفسها، بينما أخذت مشكلات أخرى قائمة أبعادًا أكثر تعقيدًا وتداخلًا تحت تأثير التغيرات التقنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهو ما أدى إلى إعادة تشكيل طبيعة هذه المشكلات.
ولم تعد القضية الواحدة التي تواجه المجتمعات اليوم محصورة على تخصص أو مجال معرفي واحد؛ فالقضية التقنية قد تحمل تداعيات وأبعاد اجتماعية وثقافية وأخلاقية وقانونية، كما أن المشكلة الاجتماعية الواحدة قد تتشكل بفعل مجموعة متداخلة من العوامل الاقتصادية والتعليمية والنفسية والإعلامية والتقنية.
وتكشف قضايا الشباب بصورة جلية عن الطبيعة المتداخلة والمعقدة للقضايا المعاصرة. ولعل من بين ما يلفت الانتباه ويدعو إلى التوقف والتأمل ما كشف عنه الإصدار الأخير من تقرير واقع الأمن والسلامة في سلطنة عُمان، الصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، من بيانات ومؤشرات تعكس جوانب مهمة من واقع المجتمع العُماني، وتفتح الباب أمام عدد من التساؤلات المهمة. ولعل اللافت في هذه البيانات أن الفئة العمرية بين 30 و39 عامًا مثّلت وحدها 36% من إجمالي الجُناة المسجلين خلال عام 2025 مشكلةً بذلك أعلى نسبة بين مختلف الفئات العمرية، وهو ما قد يطرح عدد من الأسئلة حول أسباب ذلك ودلالاته.
إنَّ مثل هذه المؤشرات لا يجب أن تفسر بمنأى عن سياقها؛ فهي لا تحتمل تفسيرًا أوليًا أو النظر إلى الظاهرة من زاوية واحدة فقط، بل يجب النظر فيما وراء تلك الأرقام وما الذي يمكن أن تثيره من تساؤلات أكثر عمقًا وأهميةً تدور حول الكيفية التي يمكن من خلالها أن نفهم أصلًا هذه الظواهر المجتمعية وتداخل أبعادها المتعددة، وكيف نقترب من أسبابها من أكثر من زاوية؟
ومثل هذه الإحصاءات تستطيع أن تقدم صورة واضحة عن حجم الظاهرة وتحدد توزيعها، لكنها لا تفسر وحدها ما يقف وراءها من أسباب وعوامل متداخلة. وتبرز هنا تحديدًا الحاجة إلى طرح سؤال أساسي هو هل من الممكن أن نفهم هذه الظاهرة من خلال القانون والأمن وحدهما، أم أن الأمر يتطلب النظر إليها من أبعاد أخرى أوسع؟ فهل على سبيل المثال فهم هذه الظاهرة يحتاج مقاربة متكاملة ومتعددة التخصصات تجمع بين علم الاجتماع لفهم سياقها وأبعادها الاجتماعية، وعلم النفس لتحليل السلوك والعوامل الفردية، والاقتصاد لتحليل وفهم الظروف المعيشية، والتربية لفهم أثر التعليم، والإعلام والاتصال لقراءة تأثير البيئة الإعلامية والرقمية المحيطة بهذه الظواهر، والتي أصبحت جزءًا من تشكيل سلوك الأفراد والمجتمعات؟ وقد تتطلب الصورة الكاملة الاستعانة بتخصصات أخرى، فبعض جوانب الظاهرة قد لا تظهر بوضوح إلا عند الجمع بين التخصصات بطريقة يكمل فيها كل تخصص ما قد يغيب عن الآخر، وبالتالي تكشف لنا أبعادًا وجوانب قد تكون واضحة عندما ننظر إلى الظاهرة من زاوية تخصصية منفردة. ولا يجب فهم الإشارة إلى هذه العوامل على أنها تقدم تفسيرًا مباشرًا للقضايا المجتمعية المعقدة، بل باعتبارها نموذجا على تداخل عدة زوايا معرفية في الظواهر المجتمعية، مما يسهل من عملية تبسيطها وفهمها من خلال التكامل بين أكثر من تخصص ومنظور معرفي.
ومن الأمثلة الأخرى التي تفرض نفسها في سياق تعقيد قضايا الشباب وتحتاج إلى أن يتم التوقف عندها أيضًا هي قضية الوعي الفكري في البيئة الرقمية والتي تمثل نموذجًا جليًا على تداخل الأبعاد وتعدد المقاربات. فلم يعد الشباب اليوم يتعاملون مع التقنية باعتبارها أدوات منفصلة عن محيطهم، بل يعيشون داخل بيئة رقمية لا يتوقف فيها التدفق الكبير للمعلومات والآراء والمحتويات، وفي عالم لم تعد فيه وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والخوارزميات مجرد أدوات تقنية بل أصبحت حاضرة بقوة في كل تفاصيل حياتهم اليومية، وهو ما أعاد تشكيل البيئة التي يتلقى فيها الشباب المعلومات ويكوّنون من خلالها معارفهم وآراءهم.
وفي ظل هذه البيئة ذات التدفق الرقمي الكبير، تظهر أمام الشباب عدة تحديات، وتبرز أسئلة مُهمة لا تكمن في الوصول إلى المعلومات فحسب بل تتعداها إلى التساؤل حول الكيفية التي يستطيع الشباب من خلالها تنمية تفكيرهم النقدي، وأن يفرقوا بين المعرفة والرأي والمعلومة المضللة، وما هي قدرتهم على التعامل معها بوعي؟ وكيف يمكن أن نبني لهم هوية متوازنة تساعدهم في التعامل مع قضايا الهوية والحفاظ على القيم، والانفتاح الواعي على مختلف الثقافات والأفكار.
لكن السؤال هنا كيف يمكن تصنيف هذه القضية معرفيًا؟ هل يمكن أساسًا تصنيفها ضمن إطار تخصص معرفي واحد؟ فكل تخصص يمكن أن يقدّم زاوية مختلفة لفهمها؛ فهل هي إعلامية على اعتبار أن المنصات الرقمية لها تأثير في كيفية وصول الشباب إلى المعلومات؟ أم هل هي تربوية من حيث ارتباطها ببناء التفكير النقدي للشباب؟ أم أنها اجتماعية من حيث علاقتها بتغيرات المجتمع؟ أو أنها إنسانية كونها مرتبطة بشكل كبير بمفاهيم الهوية والثقافة والقيم؟ أو تقنية لأنها تتصل بعالم الخوارزميات والذكاء الاصطناعي ودورهما المتزايد في تشكيل البيئة المعرفية للشباب؟ وهذا ما يظهر بشكل خاص حدود التفكير المعتمد على التخصص المنفرد الذي لا يستطيع أن يقدم الصورة الكاملة، ولذلك تبرز أهمية الحاجة إلى تداخل وتكامل التخصصات لدراسة وتفسير الظاهرة بشكل أشمل.
ولذلك فإن الأمر لا يتعلق فقط بـعملية استحداث تخصصات جديدة، بل في ضرورة إعادة النظر في الحدود التقليدية للتخصصات الجامعية، بحيث يكون هناك مزيد من التفاعل والتكامل بينها بطريقة تسمح للطلاب الجمع بين أكثر من مجال معرفي لفهم القضايا المختلفة والتعامل معها من عدة زوايا معرفية.
وهنا يجب ألا يُساء فهم معنى التعليم البيني، فهو لا يهدف إلى إلغاء التخصصات أو إضعاف حدودها أو التقليل من أهميتها، بل يعمل على ربطها ببعضها وتعزيز التكامل بينها؛ فليس المقصود أن يكتسب الطالب قدرًا محدودًا من المعرفة في مجالات مختلفة، بل أن يتعمق في مجال تخصصه بوصفه أساسًا للمعرفة، مع إتاحة الفرصة له للانفتاح على تخصصات أخرى بهدف التعرف على مجالات معرفية أخرى وأساليب متنوعة من التفكير والتحليل وفهم المشكلات من زوايا متعددة.
والعمق التخصصي والانفتاح على التخصصات الأخرى لا يمثلان خيارين متعارضين؛ فالعمق التخصصي يفتح أبواب المعرفة، والتفاعل مع تخصصات أخرى لا يقلل من هذا العمق. لذلك فإن الطالب ليس مجبرًا على الاختيار بين التعمق في التخصص والانفتاح على مجالات معرفية أخرى بل إن الجمع بينهما هو ما يكسبه قدرة أكبر على التفكير والتحليل والتعامل مع الظواهر المعقدة على أرض الواقع.
ويمكن ترجمة التعليم البيني إلى ممارسة فعلية أو تجربة ملموسة من خلال مشروعات طلابية مشتركة يتناول فيها الطلاب من تخصصات مختلفة قضايا المجتمع واحتياجاته بهدف تعزيز التكامل بين هذه التخصصات. ومن الأمثلة العملية على ذلك القيام بمشروع طلابي مشترك يجمع طلبة من تخصصات مختلفة، كالإعلام وعلم الاجتماع والتربية والآداب وتقنية المعلومات والاقتصاد، بحيث يعملون معًا على دراسة وتحليل قضية مجتمعية واحدة، كلٌّ منهم من منظور تخصصه.
المقصود ليس أن يعمل كل تخصص بمعزل عن الآخر، أي لا يقوم كل طالب بتقديم وجهة نظر تخصصه بشكل منفصل، ثم تُجمع الرؤى والنتائج في تقرير واحد في نهاية المطاف، بل يعمل الطلاب بشكل تشاركي في فهم المشكلة وتحليلها، بحيث يضيف كل تخصص زاوية معرفية تكمل ما يراه الآخرون، ثم تتكامل هذه الرؤى في بناء استجابات أو مبادرات مجتمعية ممكنة تقوم على فهم أكثر شموليةً.
غير أنَّ القيمة الحقيقية والأعمق لتجربة التعليم البيني لا تكمن فقط في الحلول التي قد يصل إليها الطلاب، وإنما في الطريقة التي يعاد بها تشكيل تفكيرهم ونظرتهم إلى قضايا المجتمع من أكثر من زاوية. فالاعتماد المتواصل للطالب على زاوية تخصصية واحدة من حيث نظرته إلى المشكلات قد يؤدي إلى أن يفسرها بناءً على أفكار ونظريات ذلك التخصص، حتى عندما تتطلب فهمًا من زوايا أخرى. أما عندما يعمل مع طالب آخر ينظر إلى القضية نفسها من زاوية مختلفة، فإنه يدرك أن معرفته، مهما بلغت أهميتها، ليست في حد ذاتها كافية لتفسير جميع جوانب المشكلة، فتخصصه يعطيه القدرة على فهم جزء منها وليس الإلمام بها بشكلٍ متكامل. وبهذه الطريقة لا يكتسب الطالب معرفة إضافية فحسب؛ بل يتعلم بأن لا يتعامل مع معرفته الشخصية باعتبارها حقيقة مكتملة، وأن يتريث قبل الحكم، ويستمع إلى وجهات النظر المختلفة، ويراجع افتراضاته السابقة، ويعمل على الموازنة والمقارنة بين التفسيرات الممكنة، ويربط بين المعارف المتنوعة قبل تكوين موقف أكثر وعيًا ونضجًا. ولا يجب أن ينظر إلى هذه المهارات باعتبارها مهارات أكاديمية يحتاجها الطالب الجامعي داخل القاعة الدراسية فقط، بل كأدوات قادرة على بناء عقل قادر على الاستماع والتفكير والتمييز والمراجعة والمقارنة والتحليل، والتي هي جميعها مكونات أساسية في بناء التفكير النقدي والوعي الفكري الذي يجب أن يمتلكه خريج الجامعة. وبهذه الطريقة يتعزز ارتباط الجامعة بالمجتمع ولا تبقى منفصلة عن قضاياه؛ بل تكون عنصرًا أساسيًا في التفكير فيها، وفي المقابل يلعب الطالب دورًا حيويًا في المشاركة في فهمها، ويتحول من كونه متلقيًا للمعرفة إلى مشارك في البحث عن حلول للقضايا المحيطة به وتحليلها.
ولعل التحدي في المرحلة المقبلة لا يتمثل في إضافة مزيد من التخصصات فحسب، بل في بناء جسور بين التخصصات والبحث عن مساحات تلتقي فيها المعارف المختلفة بطريقة تكاملية، ويتعلم فيها الطلاب كيف يعبرون الحدود الفاصلة بينها وذلك من خلال توفير بيئة تعليمية تسمح لهم بالانتقال بين التخصصات والاستفادة من أدواتها المختلفة.
إنَّ مشكلات المجتمع بطبيعتها متداخلة، ولا تتوقف عند حدود التخصصات، ولذلك تبرز الحاجة إلى تجربة جامعية تعكس هذا الواقع في طريقة التعليم والتعلم، بحيث يستطيع من خلالها الطالب أن يتجاوز هذه الحدود.
** أكاديمية بجامعة السلطان قابوس
