دعوة للتجربة في الإجازة المقبلة

 

نبيل بن حيدر البلوشي **

nabeel.h.albalushi@gmail.com

 

هذا الأسبوع فرصة عملية لنطبق هذه الفكرة على أرض الواقع، فبدلًا من التخطيط لرحلة سياحية خارجية، يمكن لأي أسرة عُمانية أو مقيمة في السلطنة أن تكتشف واديًا لم تزره من قبل، أو تقضي ليلة في نزل تراثي بولاية نائية.

السياحة الداخلية ليست بديلًا مؤقتًا عن السفر، بل استثمار طويل الأمد وبميزانية أكثر مرونة، وربما تبدأ القصة كلها بإجازة نهاية أسبوع واحدة.  ومع اقتراب إجازة نهاية الأسبوع الممتدة بمناسبة المولد النبوي الشريف، يجد كثير منا نفسه أمام السؤال المعتاد، أين نقضي هذه الأيام؟ وغالبا ما يكون الجواب جاهزا سلفا، نريد نحجز لوجهة خارجية أو لدولة خليجية. لكن ماذا لو نظرنا هذه المرة إلى السياحة الداخلية، وبنفس درجة التخطيط الذي نخطط له في العادة عندما نسافر للخارج.

نحن، بصراحة، معتادون على فكرة أن الإجازة الحقيقية تبدأ من بوابة المطار. نخطط لها بحماس، نبحث عن التذاكر، نجهّز الحقائب، وننسى أحيانا أن على بعد ساعة أو ساعتين من بيتنا، هناك وادٍ لم تطأه أقدامنا، أو قرية جبلية لم نسمع باسمها من قبل. وكثير ما نمر بجانب اللافتات المكتوب عليها أسماء ولايات لم نزرها قط، وهي معروفة كوجهة سياحية لكثير من الناس، سواء العُمانيين أو المقيمين وهي واجهة رئيسية للسياح الأجانب.

هذه دعوة إلى إعادة النظر، فحين نوجه جزءا من ميزانيتا نحو السياحة الداخلية، فإننا لا نمنح أنفسنا تجربة مختلفة فحسب، بل نمنح صاحب النزل السياحي في عُمان فرصة عمل، ونمنح سائق السيارة الذي ينقل الزوار في سوق نزوى المزيد من الإيرادات، ونمنح القرى السياحة المزيد من الاستدامة.

في المنطقة، هناك تجارب مجاورة يمكن أن تلهمنا، حين تراجع إقبال السياح الدوليين على بعض الوجهات القريبة منا، لم تنتظر تلك الوجهات أن يعود السائح الأجنبي من تلقاء نفسه، بل التفتت إلى أهلها ومقيميها، وقدمت لهم عروضا ذات قيمة حقيقية بدلا من مجرد خفض الأسعار، وأطلقت حملات تدعوهم صراحة لاكتشاف الزوايا الأقل شهرة في بلدهم. النتيجة لم تكن مجرد أرقام سياحية أفضل، بل شعور جماعي جديد بالانتماء للمكان. والفكرة هنا ليست في نسخ التجربة، بل في طرح السؤال ذاته على أنفسنا، ما الذي يصلح في عُمان تحديدا؟

أربع وجهات على بعد نظرة

تملك عُمان مقومات أكثر ثراءً، وتنوعًا جغرافيًا يندر أن تجده مجتمعًا في بلد واحد بهذا الحجم.  في الجبل؛ حيث يهبط الضباب على قرى جبل شمس صباحا كأنه غطاء صوف أبيض، يمكن أن تبدأ يومك بفنجان قهوة على حافة الجبل وأنت تنظر إلى أسفل الجبل.

وعلى الساحل، تمتد صور بقواربها الخشبية العتيقة وصناعة السفن التي توارثتها أجيال، بينما ينتظرك في مسندم مشهد لا يشبه أي شيء آخر في الخليج، وفي الشرقية؛ حيث تمتد الكثبان الرملية الذهبية حتى يبتلعها الأفق، يمكن أن تقضي ليلة تحت سماء لا يعكر صفاءها ضوء المدينة، وتستمع لصوت الرمل وهو يتغير حين تنزلق حباته تحت قدميك.

وفي الداخلية، تقف حصون نزوى وبهلاء التراثية شاهدة على تاريخ طويل من التجارة والعمارة، وسوق نزوى صباح الجمعة تجربة حسية كاملة بحد ذاتها، بين رائحة البخور وأصوات المزادات وألوان الفضة العُمانية.

وحتى مسقط نفسها، التي يعيش فيها البعض منا ونعبر شوارعها كل يوم دون أن نلتفت، تخبئ في أزقتها القديمة ومينائها وقلاعها ما يستحق أن نراه بعين الزائر لا الساكن.

الجميل في هذا التنوع أنه لا يتطلب جواز سفر، ولا حجزا يخطط له قبل أشهر، ولا حتى إجازة طويلة، بل يكفيه يوم أو يومان فقط، وهو بالضبط ما تمنحنا إياه إجازة نهاية الأسبوع الممتدة هذه.

لكي تتحول هذه الفكرة من مبادرة فردية إلى تجربة وطنية متكاملة، هناك محورين يمكن أن تصنع فرقا حقيقيا:

أولًا: حِزَم عروض تجمع بين الفنادق ومشغلي الرحلات والمطاعم المحلية، بأسعار تنافسية وقيمة مضافة واضحة، موجهة تحديدا للعائلات العُمانية والمقيمة، على غرار تجارب ناجحة في المنطقة أثبتت أن الزائر المحلي يقدر التجربة قبل السعر.

ثانيًا: حملات تسويقية رقمية بسيطة لكنها مركزة، تبرز وجهات أقل شهرة، بدلًا من الاكتفاء بالترويج للوجهات التي يعرفها الجميع أصلا، ما يوزع الطلب ويخفف الضغط عن الأماكن التقليدية.

ماذا يمكنك أن تفعل هذا الأسبوع تحديدًا؟ وحتى لا تبقى الفكرة حبيسة الورق، إليك ما يمكن أن تفعله أنت تحديدا هذا الأسبوع، اختر ولاية لم تزرها من قبل، ولو كانت على بعد ساعة واحدة فقط. احجز ليلة في نزل تراثي بدلا من فندق دولي معتاد. ادعُ اخوانك لكي يشاركاك هذه الرحلة. التقط صورا وشاركها، فربما تكون أنت من يقنع شخصا آخر في عائلة ما أن تجربها في الإجازة المقبلة.

السياحة الداخلية، في النهاية، ليست شعارًا نردده في المناسبات، بل قرار صغير نتخذه كل مرة نخطط فيها لإجازة. وربما، كما بدأت هذه الفكرة بإجازة نهاية أسبوع واحدة، تنتهي بنا إلى أن نكتشف بلدنا من جديد.

** خبير اقتصادي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z