مُزنة المسافر
هل من ضمن أجندته اليومية أن يطير كمال اليوم؟ هذا الضفدع الطموح، حرك أجنحته الجديدة أمام الهواء الطيب، ووضع نفسه في مواجهة قوية نحو الحياة.
إنه ضفدع برمائي، لكنه يشبه سوبرمان في حركاته وشقلباته، يتحرك نحو الأعلى دون مناطيد، ودون طيارة براكب وحيد.
هل هو رفراف؟ محرك لكتل الهواء، موقعه بين الغيوم، وسط السحب الكثيفة، والأمطار الغزيرة، والشمس التي تصحو من أجل الحرية.
هل تجلس الحرية على تاج تمثال عظيم؟
وهل سكنت في جعبته الحرية، وصارت أحلامه بالطبع ندية؟

تصميم الفنان حميد العوفي
لكنه، يا عيني، سقط. هذا الكبير قد وقع، بعد أن عبر كل المساحة الملساء على طاولة الاستقبال، واصطدم بعلب الكبريت الواقفة فوق بعضها، قرب شموع كثيرة تجلس على شمعدان خجول، وضعه الخواجة يوليوس اليوناني لتنير اللوكندة حين تنطفئ الكهرباء.
هنا علّق الخواجة يوليوس اليوناني، مشرف اللوكندة، بلهجة مختلطة بين المحلية وكلام الخواجات في البلاد.
الخواجة يوليوس: قلت لك ميت مرة يا كمال، إنته يا خبيبي فروج! الفروج مش زي الأصافير!
الفروج مش زي الأصافير...!
لملم كمال ما تكسر من الأجنحة، والحبال التي لبت نداء السقوط، والريش الذي تطاير في المكان، وأحدث هذه الفوضى العارمة. نظرت العصفورة صوفيا من فوق، حيث هي في قفص أبيض جميل، لتعلق على ما حدث لكمال.
صوفيا: إنته كويس يا فروج؟
كمال: يا صوفيا… أنا مش فروج!
ما هذا الإحراج الكبير يا كمال؟ هل اعتقدت أنك الطرزان الذي عبر كل الغابات، أو وجدت نفسك هرقلًا لا يمكن هزيمته بسهولة؟ أم فكرت أنك أرخميدس الذي وجد قواعد الانغمار؟
وماذا قالت صوفيا أيضًا بحروف الخواجات؟
صوفيا: شفتك بتطير يا كمال!… زي الأصافير!
رأتك تطير وتحلق بجانب قفصها الصغير. يا سلام حين كنت تطير! لقد عشت أجمل اللحظات، لن تنساها مهما كان. وبما أن اليوم انتهى، وأنهى طموحاتك الملحمية،
فلا بد أن تعود إلى سريرك المكون من صندوق صغير، وغطاء جميل يغطي أحلامك الجامحة الهاربة من جذعك ليلًا، فلتعد هذه الأحلام وتسكن عقلك، لتنام يا عزيزي كمال.
كيف يمكنك نسيان اليوم؟ لا يمكن ذلك. دوِّنه لحظة في كراسك، بين مذكراتك الضفدعية. ارسم هنا خطًا، وضع هنا صفًا، وابنِ دوائر ومثلثات.
ماذا ستكتب يا كمال في مذكراتك؟
كمال: النهارده… فكرت أبهر العصفورة صوفيا… وبفتكر إني قدرت!
هل أنت ضفدع بلمسة حظ كبيرة؟ من تلك الحلوة الأميرة، الجالسة في قفص العصافير، لترحب بالنزلاء، وتقدم الأغنيات للقادمين إلى اللوكندة. وهل ستغني لك في المرة القادمة؟
رغم أنك فروج! أنت خفيف الظل والدم، وقلبك ربما صغير، لكنه ينبض بقوة، وعيونك جاحظة، ملاحظة لكل ما هو أمامك. أنت، يا عزيزي كمال، أفضل الضفادع على الإطلاق، تعرف متى تطير، ومتى سيكون الانطلاق.
