شهادة امتياز في فن الحفظ

 

 

 

د. غالية بنت عيسى الزبيدي

لا أحد يختلف على أهمية الذاكرة، فهي الخزانة التي نودع فيها ما نتعلمه، والجسر الذي نعبر به من المعلومة إلى المعرفة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الذاكرة من خادمٍ أمين إلى حاكمٍ مطلق، وحين يصبح الحفظ غايةً لا وسيلة، ومقصدًا لا طريقًا.

لقد بلغ الحفظ عند بعضنا منزلة الفن الرفيع؛ حتى لكأن الطالب يدخل قاعة الامتحان وفي رأسه مكتبة متنقلة، تحفظ الفقرات كما هي، وتستعيد التعريفات كما كُتبت، وتستحضر السطور كما رُصفت. فإذا خرج من القاعة، خرجت معه تلك المعلومات إلى أقرب باب، مودعةً إياه دون رجعة، وكأنها كانت ضيفة ثقيلة تنتظر انتهاء المناسبة.

ولعل أعجب ما في الأمر أن بعضنا يحفظ تعريف التفكير الناقد دون أن يمارس النقد، ويحفظ تعريف الإبداع دون أن يبتكر فكرة واحدة، ويحفظ آداب الحوار ثم يغضب من أول رأي يخالف رأيه. وكأن المعرفة أصبحت تشبه الأثاث الفاخر في غرفة مغلقة؛ موجودة، نعم، لكنها لا تُستعمل.

وليس المقصود من هذا التقليل من شأن الحفظ؛ فالحفظ أساس من أسس التعلم، وما قامت الحضارات إلا على ذاكرة تحفظ العلم وتنقله. غير أن المشكلة تظهر عندما نجعل الحفظ وحده معيار التفوق، فنقيس العقول بعدد ما تختزن، لا بعدد ما تنتج، ونزن الإنسان بما يتذكره، لا بما يفهمه.

إن الحياة، على اتساعها، لا تُلقي علينا أسئلة من نوع "اختر الإجابة الصحيحة"، ولا تمنحنا أربعة خيارات في نهاية كل موقف. الحياة تطرح أسئلة مفتوحة، وبعضها لا يملك إجابة واحدة أصلًا. ولهذا فإنها تحتاج إلى عقل يفكر، ويحلل، ويربط، ويستنتج، أكثر مما تحتاج إلى ذاكرة تسترجع ما حُفظ في ليلة الامتحان.

ومن الطريف أن الهاتف المحمول الذي نحمله في جيوبنا أصبح يحفظ من المعلومات ما لا تستطيع مئات العقول حفظه، ومع ذلك لا نصفه بالحكيم ولا نصفه بالمفكر. فالفرق بين الإنسان والآلة ليس في كمية ما يُخزن، بل في كيفية ما يفهم.

إن التعليم الحقيقي لا يبدأ عندما نحفظ الدرس، بل عندما نسأل عنه. ولا يكتمل عندما نكرر المعلومة، بل عندما نضيف إليها. فالحفظ يملأ الذاكرة، أما الفهم فيفتح النوافذ، والفرق بينهما كالفرق بين من يجمع المفاتيح ومن يعرف أي الأبواب تستحق أن تُفتح.

ولعل أجمل شهادة يمكن أن يحصل عليها الطالب ليست شهادة امتياز في فن الحفظ، بل شهادة غير مكتوبة تقول: هنا عقل يعرف كيف يفكر، وكيف يتعلم، وكيف يحول المعرفة من كلمات في كتاب إلى أثر في الحياة.

هذا المقال أقرب إلى المقالات التأملية الساخرة التي تمزج النقد بالفكرة الأدبية، وتترك للقارئ مساحة للتفكير دون أن تصدر أحكامًا مباشرة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z