د. إبراهيم بن سالم السيابي
لم يعد العالم كما كان قبل سنوات قليلة؛ فالأحداث تتسارع، والتحالفات تتبدل، وموازين القوة نفسها لم تعد مستقرة كما كانت. فمن الحرب الروسية الأوكرانية، إلى المشاهد الدامية في غزة، ثم المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يتشكل عالم جديد أكثر توترًا وتعقيدًا، وأقل قدرة على الحسم السريع.
لقد كشفت هذه الحروب أن منطق القوة، رغم سطوته، لم يعد قادرًا على فرض النتائج بسهولة؛ فالحروب أصبحت أكثر كلفة، والتصعيد لم يعد يضمن الانتصار، فيما باتت الشعوب أكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام العالمي، خاصة مع التدفق المباشر للصور والمعلومات من قلب الأحداث. كما أن الاقتصادات العالمية أصبحت أكثر هشاشة أمام أي اضطراب سياسي أو عسكري، وهو ما جعل كثيرًا من الدول تعيد التفكير في جدوى سياسات الهيمنة وفرض الواقع بالقوة.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، عاد مضيق هرمز إلى واجهة العالم بوصفه أحد أهم الممرات الاستراتيجية وأكثرها حساسية. هذا المضيق ليس مجرد معبر بحري عادي، بل شريان حيوي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه لا ينعكس على المنطقة وحدها، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
ومع التصعيد الأخير، دخل المضيق في قلب التجاذبات السياسية والعسكرية، وبدأ الحديث يتصاعد حول النفوذ والسيادة وحق إدارة هذا الممر الحيوي، خاصة بعد أن تحوّل إلى إحدى أوراق الضغط الكبرى في الصراع القائم. وفي خضم هذه الأجواء المتوترة، جاءت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه سلطنة عُمان، وما تبعها من لهجة سياسية حادة من بعض المسؤولين الأمريكيين، لتفتح بابًا واسعًا من النقاش في المنطقة.
لكن ما يلفت الانتباه حقًا ليس التصريحات بحد ذاتها؛ بل الطريقة التي تتعامل بها عُمان مع مثل هذه الضغوط؛ فعُمان لا تُدير سياستها بردّات الفعل، ولا تدخل في مزادات الانفعال السياسي أو الضجيج الإعلامي، لأنها ببساطة دولة تعرف نفسها جيدًا، وتعرف موقعها وتاريخها وطبيعة دورها في المنطقة. فالدول العريقة لا تُدار بمنطق اللحظة، والدول التي تمتلك عمقًا تاريخيًا وسياسيًا لا تنجرف بسهولة مع ضجيج التوترات العابرة.
وعُمان ليست دولة طارئة على التاريخ، ولا كيانًا سياسيًا وُلِد مع التحولات الحديثة. إنها دولة امتد حضورها عبر قرون طويلة، ووصل تأثيرها إلى البحار البعيدة، وقادت في مراحل مختلفة واحدة من أهم الإمبراطوريات البحرية في المنطقة. كما يقودها نظام حكم يُعد من أعرق السلالات السياسية المستمرة في العالم، وهو ما منح الدولة عمقًا واستقرارًا واستمرارية نادرة في هذه المنطقة المضطربة.
ومن المهم التذكير بأن العلاقة بين سلطنة عُمان والولايات المتحدة ليست علاقة عابرة أو مرتبطة بظرف سياسي مؤقت، بل تمتد جذورها إلى القرن التاسع عشر، حين كانت عُمان من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقات واتفاقيات مع الولايات المتحدة، وذلك منذ أربعينيات القرن التاسع عشر تقريبًا، في مرحلة مبكرة سبقت كثيرًا من العلاقات الدولية الحديثة في المنطقة. وقد اتسمت هذه العلاقة عبر تاريخها الطويل بالاحترام المتبادل والتعاون، بعيدًا عن منطق الصدام أو العداء.
ولهذا، فإن عُمان حين تتمسك بالهدوء، لا تفعله من موقع التردد، بل من ثقة دولة تدرك طبيعة السياسة، وتعرف أن الاتزان في لحظات التوتر ليس ضعفًا، بل أحد أشكال القوة. فهي تدرك أن الانفعال قد يصنع ضجيجًا مؤقتًا، لكنه لا يبني استقرارًا، وأن الدول التي تُفكر بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة، هي الأقدر على حماية مصالحها والحفاظ على مكانتها.
وعلى مدى عقود، اختارت عُمان نهج الحياد الإيجابي، وهو نهج لم يكن انسحابًا من القضايا أو هروبًا من المسؤولية، بل رؤية سياسية تقوم على حفظ التوازن ومنع التهور وفتح أبواب الحوار عندما تُغلق أبواب السياسة. ولهذا لعبت عُمان أدوارًا هادئة في تقريب وجهات النظر بين أطراف متخاصمة، وأسهمت في تخفيف كثير من التوترات الإقليمية والدولية، لأنها تؤمن أن الاستقرار الحقيقي لا يُصنع بالحروب، بل ببناء الثقة وإيجاد مساحات للتفاهم.
كما أن السياسة العُمانية قامت دائمًا على رفض فرض الواقع بالقوة، لأن التجارب أثبتت أن القوة العسكرية قد تفرض مشهدًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع سلامًا دائمًا. فكم من حرب بدأت تحت عنوان الحسم وانتهت إلى فوضى طويلة، وكم من تدخل عسكري أنتج أزمات أكثر تعقيدًا مما كان قبلها. ولهذا بقيت عُمان تؤمن بأن الحكمة وضبط النفس والحوار هي الطريق الأقل كلفة على الشعوب، والأكثر استدامة للدول.
ولعل ما يشهده العالم اليوم يؤكد هذه الحقيقة أكثر من أي وقت مضى. فالحرب الروسية الأوكرانية ما تزال تستنزف الجميع دون حسم حقيقي، وغزة كشفت أمام العالم حجم المأساة الإنسانية وحدود القوة العسكرية حين تواجه شعبًا متمسكًا بأرضه، فيما أظهرت المواجهة الأخيرة مع إيران أن المنطقة بأسرها يمكن أن تدخل مرحلة خطيرة عندما تصبح لغة التصعيد أعلى من صوت العقل.
وفي المقابل في الحرب الاخيرة، بدأ العالم يراجع كثيرًا من مفاهيمه القديمة وبداء أكثر ميلًا للتفاهمات؛ فحتى داخل التحالفات التقليدية، لم تعد المواقف متطابقة كما كانت، وأصبحت الدول أكثر ميلًا لحساب مصالحها الاقتصادية والسياسية بعيدًا عن الاصطفاف المطلق. لأن الجميع بات يدرك أن أي انفجار كبير في هذه المنطقة لن يدفع ثمنه طرف واحد، بل العالم بأكمله.
ومن يقرأ التاريخ العُماني جيدًا، يدرك أن هذه الدولة لم تكن يومًا دولة تبعية أو اندفاع، بل دولة تعرف متى تتحدث، ومتى تتوقف عن الكلام، ومتى تحافظ على المسافة التي تحمي الوطن والمنطقة معًا. ولهذا بقيت عُمان، رغم كل التحولات، راية سلام في منطقة أنهكتها الصراعات.
إن رفض التهديد لا يعني الإذعان للغة التهديد، والتمسك بالسيادة لا يعني التخلي عن الحكمة. وهذه بالضبط هي المعادلة التي فهمتها عُمان عبر تاريخها الطويل؛ أن قوة الدولة ليست في ارتفاع صوتها، بل في قدرتها على الحفاظ على اتزانها وسط العواصف.
وربما هذا ما يحتاجه العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ ليس مزيدًا من الأصوات الغاضبة، بل دولًا تمتلك الحكمة الكافية لتمنع المنطقة من السقوط في الهاوية. وعُمان، كما كانت دائمًا، ما تزال تؤمن أن السياسة ليست استعراض قوة فقط، بل قدرة على حماية الإنسان والاستقرار والمستقبل.
وفي الختام، قد ترتفع لغة التهديد، وتشتد الضغوط، وتحاول القوى الكبرى فرض إرادتها بمنطق القوة، لكن الدول العريقة لا تُغيّر مواقفها تحت وقع التصريحات، ولا تُدار بالخوف أو الانفعال. وعُمان، التي عبرت قرونًا من التحولات والعواصف، لم تكن يومًا دولةً يُملى عليها قرارها، لأنها تعرف تاريخها جيدًا، وتدرك مكانتها، وتؤمن أن السيادة لا تُحفظ بالصوت المرتفع، بل بثبات الدولة وثقتها بنفسها. وتحت قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- تواصل عُمان ترسيخ نهجها القائم على الحكمة والاتزان واحترام سيادة الدول، إيمانًا بأن السلام الحقيقي لا يُبنى بالتهديد، ولا بفرض الواقع بالقوة، بل بالحوار والعقل وحفظ مصالح الشعوب. ولهذا، ورغم كل ما قيل ويُقال، بقيت عُمان مُتمسِّكة بسيادتها ونهجها وصوتها الهادئ في عالمٍ يزداد اضطرابًا.
