الاقتصاد الأزرق.. من الثروة إلى القيمة

مرتضى بن محمد جواد الجمالاني

تتمتع سلطنة عُمان بموقعٍ جغرافيٍ استثنائي في أقصى الجنوب الشرقي من شبه الجزيرة العربية، وتشرف على المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي، وتمتد سواحلها عبر شريطٍ بحري طويل يمنحها ميزة استراتيجية في الأمن الغذائي والتجارة البحرية والاقتصاد الأزرق.
غير أن قوة عُمان لا تكمن في الجغرافيا وحدها، بل في منظومة متكاملة تشمل ثروات بحرية ومائية واعدة، وخبرات بشرية متوارثة في الملاحة والصيد، وبنية أساسية متنامية، وأجهزة أمن وسلامة فاعلة، إلى جانب إطار تشريعي داعم للاستثمار والتنمية المستدامة.

تجربة تنظيمية رائدة (2018–2022)

في الفترة من 2018م إلى 2022م، بادرت غرفة تجارة وصناعة عُمان – ممثلةً بلجنة المال والتأمين – عقب صدور قانون حماية الثروة المائية، إلى تنظيم عمل جمعيات الصيادين بالتعاون مع بنك التنمية، والهيئة العامة لسوق المال (سابقاً)، ووزارة الزراعة والثروة السمكية وموارد المياه، ووزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، وشرطة عُمان السلطانية (خفر السواحل).
وقد أسفرت هذه المبادرة عن إعداد وثيقة التأمين الموحدة لقوارب الصيد الحرفي ومعداتها، وتوفير تغطية الحوادث الشخصية للصيادين، وإعداد أدلة تشغيلية (Operation Manuals) تضبط الإجراءات وترفع معايير السلامة.

شكلت هذه الخطوة نقلة نوعية في تعزيز الحماية التأمينية، وترسيخ مبادئ الحوكمة، وبناء ثقافة عمل مؤسسي داخل القطاع البحري، بما ينسجم مع توجهات التنويع الاقتصادي.

الحاجة إلى تكامل مؤسسي

ورغم أهمية ما تحقق، فإن تعظيم الأثر الاقتصادي يتطلب انتقالاً من المبادرات الجزئية إلى منظومة متكاملة، ترتكز على:
    •    تفعيل جمعيات مهنية قوية للصيادين في مختلف المحافظات.
    •    إنشاء شركات تسويق مركزية تضبط الجودة، وتحقق القيمة المضافة، وتقلل الهدر.
    •    تطوير أدوات تمويل وتأمين متخصصة تراعي طبيعة المخاطر البحرية وتدعم الاستدامة.
فالتشريع وحده لا يكفي، والتنظيم دون سوق منظم يظل محدود الأثر.

مقترح استراتيجي: سوق مركزي للسلع

من الضروري التفكير في تأسيس سوق مركزي للسلع (Commodity Market) على غرار سوق مسقط للأوراق المالية، ليكون منصة منظمة وشفافة لتداول المنتجات البحرية والزراعية، وفق آليات تسعير واضحة ومعايير جودة معتمدة.

إن إنشاء مثل هذا السوق سيحقق جملة من الآثار الإيجابية، من أبرزها:
    •    تسعير عادل وشفاف يعكس العرض والطلب الحقيقيين.
    •    استقرار نسبي في الأسواق وتقليل الاعتماد على الوسطاء.
    •    تعزيز الأمن الغذائي الوطني.
    •    جذب استثمارات خليجية وإقليمية.
    •    رفع مساهمة الاقتصاد الأزرق في الناتج المحلي الإجمالي.

وأخيرًا.. إن الموقع الجغرافي نعمة وهبها الله لعُمان، لكن تحويل هذه النعمة إلى قوة اقتصادية مستدامة يتطلب تكامل ثلاث ركائز مترابطة: تشريع منظم وتنظيم مهني وسوق مؤسسي شفاف. وعندما تلتقي هذه العناصر في إطار رؤية واضحة وإدارة كفؤة، تتحول الثروة البحرية من مورد طبيعي إلى رافعة استراتيجية للنمو، تخدم سلطنة عُمان ودول الخليج وشبه الجزيرة العربية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التنمية المستدامة.

خبير التأمين وباحث اقتصادي
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z