محمد المعتصم **
تتجه التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إلى مستويات غير مسبوقة منذ 2003، في ظل أكبر انتشار عسكري أمريكي في المنطقة، ورفع احتمالات الحرب إلى مستويات عالية جدًا تتصاعد فيها التهديدات إلى صدام محتمل وليس مجرد خلاف سياسي.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألمح إلى إمكانية تنفيذ ضربات عسكرية محدودة ضد إيران إذا فشلت المفاوضات، مع إعطاء مهلة زمنية قصيرة لإبرام اتفاق، ومن جانبها أعلنت إيران أنَّها حققت تقدمًا في المحادثات، لكن مسؤولين إيرانيين يشددون على أنَّ الاختلافات الأساسية لم تُحل بعد.
في الوقت ذاته، تستمر جولات المباحثات غير المباشرة بوساطة عُمانية، مع إشارات إلى " نبرة متفائلة حذرة" في بعض النقاط التفاوضية.
هذه المستجدات تؤكد أن الأزمة لم تُحسم، وأنها تتأرجح بين التفاوض وتهديدات الحرب الفعلية في لحظة شديدة الحساسية، مع ظهور عناصر تهديد غير مسبوقة؛ من بينها: وجود تصعيد عسكري يتزامن مع المفاوضات؛ إذ أجرت إيران تدريبات واسعة قرب مضيق هرمز. في المقابل تواصل الولايات المتحدة حشد قوتها الضاربة في الشرق الأوسط تمهيدًا للحظة اتخاذ القرار، في ظل تحديد البيت الأبيض شروطه الخاصة بوقف تخصيب اليورانيوم وتقييد برامج الصواريخ، والذي تراه طهران مطلبًا لا ينسجم مع سيادتها الوطنية.
التهديد بعمل عسكري محدود يمكن أن يتحول إلى مواجهة أوسع، مع احتمال مشاركة قوى إقليمية أخرى في حال تطور الصراع، وهو ما يؤجج المخاوف من اندلاع حرب إقليمية.
ببساطة، الحلفاء الإقليميين لأمريكا وإيران يكادون في حالة ترقب دائم، وتحركاتهم تتأثر بكل نبرة تصعيد جديدة.
وسط هذه المتغيرات، تظهر دبلوماسية سلطنة عُمان بوصفها أحد أهم العوامل التي تُبقي المنطقة خارج دوامة الحرب. ويمكن تلخيص أهميتها في عدة محاور أساسية؛ أولها: استمرار الوساطة رغم الضغوط، فقد استضافت مسقط جولة رئيسية من المفاوضات في 6 فبراير 2026؛ حيث عقد الوفد الأمريكي مباحثات غير مباشرة مع الوفد الإيراني، برعاية عُمانية، ما أسفر لاحقًا عن وضع "مبادئ توجيهية" للإطار التفاوضي، خلال الجولة الثانية من المباحثات التي عقدت في مقر السفارة العُمانية في مدينة جنيف بسويسرا، لكن الرئيس الإيراني أكد أن النص الكامل لاتفاق محتمل لم يُصغ بعد، ما يعكس صعوبة القضية وإن كانت المحادثات تمضي قدمًا.
لم ينحصر دور عُمان في الاجتماعات الرسمية فقط؛ فقد واصل الوزير الإيراني الاتصالات مع مسؤولين دوليين حول تقدم المحادثات، ما يوضح أنَّ جهود الوساطة لا تزال قائمة في خلفية المشهد.
نجاح الدبلوماسية العُمانية في نزع فتيل الأزمة ووقف الحرب مهم الآن أكثر من أي وقت، والمشاورات المستمرة للوصول الي نقطة التقاء تمنع "الطلقة الأولى" للحرب، أمر غاية في الأهمية. ويراهن الكثير من الشركاء الدوليين على الدور العُماني، لأكثر من سبب؛ أهمها بالطبع الثقة المتراكمة لدى كلا الطرفين؛ إذ إن سلطنة عُمان ليست مجرد وسيط عابر، كما إنها تمارس دبلوماسية بنّاءة قائمة على ثقة متبادلة مع طهران وواشنطن، وهذا رصيد ثمين لا يمتلكه كثير من الوسطاء في المنطقة، ويعود أساسًا إلى تاريخ من الحياد الإيجابي والاستقلالية في السياسة الخارجية.
كما أن موقع سلطنة عُمان الجغرافي والاستراتيجي الحساس، مع وجودها على الضفة المقابلة لإيران على مضيق هرمز- الممر الحيوي لحوالي 20% من النفط العالمي- يجعلها معنية مباشرة بأي اضطراب أمني في المنطقة، وهو ما يعطي دورها الوسيط بُعدًا اقتصاديًا عالميًا وليس فقط إقليميًا أو سياسيًا؛ فالدبلوماسية يمكن اعتبارها أداةً لتقليل مخاطرة الحرب، ففي لحظة ما قد تتسبب تحركات عسكرية مكثفة من الطرفين، أو أي خطأ تكتيكي صغير، في مواجهة واسعة. وهنا تبرز الوساطة العُمانية كأداة لتفادي سوء التقدير، عبر فتح قنوات اتصال خلفية وتحفيز الطرفين على إبقاء أُطر الحوار قائمة.
وقد شكّلت الأمم المتحدة موقفًا داعمًا لاستمرار المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، وهذا يعكس إدراكًا دوليًا بأن مسار الحوار الذي تستضيفه أو تديره عُمان قد يكون العامل الوحيد الذي يبقي الحرب غير حتمية، وأن الدبلوماسية العُمانية لديها من الأهمية ما يجعلها توقف الاشتعال القادم وتخفيف احتمالات المواجهة العسكرية، بعد أن بلغت التهديدات مستويات عالية جدًا. سلطنة عُمان هنا لا تبذل جهودها لمنع حرب كبيرة وحسب، لكنها أيضًا تقوم بدور أعظم في حماية مصالح المنطقة والعالم بتجنب تعطيل حركة التجارة والطاقة في مضيق هرمز، إضافة الي خلق مناخ دبلوماسي يسمح بانخراط أطراف دولية أخرى لاحقًا في عملية سياسية أوسع.
هذا لا يعني أن الوساطة وحدها كافية لحل كل الخلافات، لكنها تعمل كصمام أمان يمنع المشهد من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة غير محسوبة؛ ففي لحظة تتداخل فيها الخيارات العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية، يبقى المسار الدبلوماسي بقيادة سلطنة عُمان المنفذ الوحيد الذي يبعث بعض التفاؤل في أجواء توصف بأنها "على حافة الهاوية".
وإذا بدا التوتر الأمريكي- الإيراني في بعض لحظاته وكأنه يتجه إلى جرف حاد، فإن استمرار الحوار، ولو ببطء، يُذكِّر بأن خيار الحرب ليس حتميًا ما دام هناك وسيط قادر على جمع الأطراف على طاولة المفاوضات، وهذا بالضبط ما تفعله الدبلوماسية العُمانية في هذا السياق الدقيق من التاريخ؛ إذ إنها تحاول منع حرب قد تُعيد العالم إلى منطقة مُظلمة، وتذهب بالاقتصاد إلى أكبر أزماته الحديثة.
** كاتب صحفي مصري
