من الوادي إلى الخليج.. الحبيب زين ربّان الشعر الحميني

 

 

 

زين الحداد

في العصور السابقة، شكّلت الشخصيات الدينية دورًا كبيرًا في استقرار البلدان والأقاليم التي عاشت فيها؛ فلم يقتصر دورها على حدود المساجد وأداء العبادات، بل امتد ليشمل معالجة الفتن، والتوجيه الاجتماعي، والحفاظ على الهوية والقيم المجتمعية.

اتسمت علاقة الحكام بالعلماء بطابع استثنائي وتوافقي أسهم في تحقيق توازن دقيق في إصلاح المجتمعات واستقرارها. ومن أبرز النماذج على ذلك الشريف الحبيب زين العابدين بن الإمام عبدالله بن علوي الحداد، الذي استطاع أن يؤسس مكانة اجتماعية وروحية تجاوزت الأوساط الشعبية في سواحل الخليج، حتى استقرت مكانته في نفوس زعماء المنطقة.

(الصير)

كانت الجزيرة الحمراء بالصير، المعروفة بجزيرة الزعاب، والتي ازدهرت فيها مهنة الغوص لاستخراج اللؤلؤ والتجارة البحرية، مستقرَّ الحبيب زين في القرن الثاني عشر الهجري بعد هجرته من حضرموت إلى العراق. ولم يُقم في العراق طويلًا، فكانت منطقة الصير محطته الأخيرة، حيث دُفن فيها عام 1157هـ.

(علاقات مميزة)

كانت للحبيب زين علاقة متينة وموثقة مع إمام عُمان سيف بن سلطان اليعربي؛ فقد كان الإمام يكرمه ويقصده للزيارة في منطقة الصير. وللحبيب زين أبيات في مدح الإمام يقول فيها:

في ظل سيف النصر بن سلطان تاج الافتخار

اليعربي نسل الأئمة والصناديد الكبار

الفارس الليث الهزبر الصبر دبوس المغار

محلى سروج الخيل ذي طلحت عجاجات المغار

أمنت عمان به ودانت بطوع وافتخار

إمامها مقدامها معه حيث استدار.

وكان للحبيب زين أيضًا علاقة روحية قوية مع الشيخ رحمة بن مطر القاسمي، شيخ القواسم، حيث جمعت بينهما روابط الاحترام والتقدير المتبادل. وكان الشيخ رحمة يرى في الحبيب زين الولاية والصلاح، ويعتقد باستجابة دعائه. وقد تعرّض الشيخ رحمة خلال أحد أسفاره إلى فارس للحبس، فأنشد حينها أبياتًا يقول فيها:

من آل باعلوي غِنى في المضيق

يدعو على الشدة وبه تنجلي

فردّ عليه الحبيب زين بقصيدة كان أهل الصير يرددونها وقت الشدة، وسُمّيت بـ”المنفرجة”، ويبدأ مطلعها:

بوصقر يا نعم الصديق الوثيق

هو الأخ والصاحب الأوّلي.

وأما الشيخ جباره بن ياسر النصوري، حاكم جزيرة البحرين في ذلك الوقت، فقد كان يكنّ للحبيب زين احترامًا كبيرًا. وقد أهداه الحبيب زين قميصًا يلبسه في الحرب، ودعا له أن يحفظه الله وألا يخترقه الرصاص.

(الشعر الحميني)

أما على الصعيد الثقافي، فقد تميز الحبيب زين بقصائده التي لامست قلوب الناس لقربها اللغوي وسهولة فهمها، فعبرت البحار والمحيطات على ألسنة صيادي السفن والتجار، واشتهرت بشعار “يقول خو علوي”. وظلّت هذه القصائد تتردد على ألسنة فناني الصوت والنهّامين في الخليج إلى يومنا هذا. وفي عام 2021 صدرت الطبعة الأولى لديوانه بعنوان “ديوان خو علوي” عن مركز تريم للدراسات والنشر.

وفي أثناء تواجده في ظفار عام 1133هـ، قال قصيدته الشهيرة التي رثى فيها والده عقب تلقيه نبأ وفاته؛ حيث قال:

البارحة حرك القلب الملان

سجوع قمري على البانه ينوح

أجرى دموعي كما طش المزان

وشب في باطني نار اللفوح

وقد انتشرت هذه القصيدة انتشارًا واسعًا، وتغنّى بها فنانو الصوت في الخليج، لتصبح شاهدًا على تجربته الشعورية في رحلته الطويلة التي بدأت من حضرموت، مرورًا بظفار والأحساء والبصرة، قبل أن يستقر به المقام أخيرًا في الصير.

استمر تأثير الحبيب زين في المنطقة فترةً من الزمن، وكانت مساجد رأس الخيمة تردد أوراد الإمام الحداد يوميًا، متعلّقةً بتعاليمه ونهجه. أما في ظفار، فما زالت أشعار الحبيب زين تتردد في المناسبات الاجتماعية ضمن أغاني فن الشرح بشعارها المألوف: “يقول خو علوي”.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z