"يا بني اركب معنا"

 

 

خالد الكندي

 

تصنف مشاعر الأب تجاه ولده بأنَّها مزيج من الغريزة والمسؤولية والامتداد الوجودي، فالوالد يتجاوز شعوره الأبوي تجاه ولده؛ الحالة العاطفية اللحظية إلى مفاهيم واسعة، فرغم كون تلك العلاقة تعكس حباً صامتًا وخوفًا مُستمرًا على الولد يتوارى خلف مشاعر الحرص والقلق، فهو كذلك شعور بالفخر والبهجة على تقدم الولد في مسيرة حياته وانتقاله المتواصل من طور إلى آخر، وكأنَّه يرى امتداد أثره ويسمع ارتداد صدى عمره ويجد في كل ذلك قيمة حقيقية تتضاءل عندها تضحياته غير المشروطة وإيثاره الذي ظل عطاءً ملازمًا إلى ولده منذ اليوم الأول لولادته.

وعند استقراء العلماء وأهل التفسير للحالة الأبوية في موقف نبي الله تعالى نوح عليه السلام حينما خاطب ابنه بقوله "يا بني اركب معنا"، استخلصوا عدة دلالات يسعها فضاء التأمل والتدبر، من ذلك مثلًا مفهوم الوالدية الذي يتجاوز بكثير الملمح البيولوجي، وطبيعة الرحمة الوالدية المركبة غريزيًا من مجموعة عوامل وركائز أصيلة، تنتهي بالولد إلى تنشئته قيميًا وروحيًا لدمجه في المجتمع فيصبح عنصرًا فاعلًا ومتوازنًا في واجباته ومسؤولياته، هذا إلى جانب فهم سنن الفطرة والغريزة التي جُبلت عليها النفس البشرية، ثم دقة وجمال التصوير القرآني لهذا المشهد الذي يجعلك تعيش إبداعًا بانوراميًا للحالة الاجتماعية بكل تجلياتها الانفعالية فرحًا كان أو حزنًا سعادة كانت أم ألمًا.

إنَّ لحظة الخطر المحيطة بالولد كفيلة بأن تشعل في نفس الأب كثافة في الحنان والرأفة، فطبيعة المشاعر الأبوية أنها تنطلق من تجليات سنوات التجربة الطويلة واختبار الفرص المتكررة، بحيث أفضت إلى تأسيس فراسة أبوية وبصيرة كافية لتقدير المآلات وحدس راشد يستقرئ النهايات ويرى به الأب ما لا يراه الولد من تحديات الطريق وأخطاره، لهذا كان استهلال خطاب نبي الله تعالى نوح لولده لحظة الخطر مفتتحًا بنداء الرحمة وشعور الشفقة، إيحاء منه بقرب المسافة الشعورية واستدعاء لسوابق الود الأسري وتكاثف طبقات الزمن في الذاكرة الأبوية.

هو صوت نبوي لكنه ممزوج بمشاعر الأبوة ودفء الاحتواء وجمال الحرص والعناية، أو كما سماها سيد قطب في ظلاله "الأبوة الملهوفة"، إنه أدب القرآن الكريم والتربية السلوكية السامية في بناء الخطاب الاجتماعي التواصلي، لذلك فإن مفردات القرآن الكريم في تأسيس نموذج التواصل الأسري؛ تتجاوز إبداع وجماليات الحالة اللفظية للمفردة القرآنية، إلى جمال كونها رموزًا نفسية تستفتح بها مغاليق الفؤاد وموصدات النفس عند الابن لتحقيق نسق تقاربي ناجح في النطاق الأسري.

قد لا يرى الابن ما يراه الأب من مسوغات القلق والحرص، فيدفعه ذلك إلى تقدير الأمور على نحو متقزِّم يزيد المواقف صعوبة وتعقيدًا؛ فالابن يرى القضايا بعين الفردية والتجزيئية التي تجعل الموقف منفصلًا عن طبيعته العامة أو ما يعرف بالمفهوم الكلي الذي تندرج تحته الأجزاء ويكون ارتباطها به ارتباطًا مشيميًا يجعلها مشتركة في الأثر، بينما يرى الأب بعين الشمولية والتصور الكلي والنسق العام، فينطلق في حرصه من قلق على كافة الأجزاء باعتبار التماثل في الأثر والنتيجة.

لهذا أطلق نبي الله تعالى نوح عليه السلام نداءه لابنه بصيغة الجماعة فقال "اركب معنا"، في إشارة إلى أن مشهد النجاة لم يعد تجزيئيًا أو ثنائيًا بين أب وابنه، بل هو جمعي تآزري ومسار عام تشاركي، فركوب السفينة لم يعد خيارًا يدرس ويمتحن؛ بل واجب تقتضيه ظروف المرحلة وتفرضه التحديات وتصور نهائي تشكل في الوعي الأبوي، غير أن الابن غلبه ضيق الأفق والنظر الجزئي فلم يحسن قراءة المشهد في كليته.

إنَّ القرآن الكريم وهو يضعنا أمام هذا المشهد التصويري البديع، ليؤكد قيمة الوعي الأبوي بالمآلات واستقراء النهايات، وبأن ذلك الشعور يتجاوز كونه تخمينًا عاطفيًا لحظيًا؛ إلى بصيرة نضجت مع الزمن وخبرت العواقب، فرؤية الأب للطريق لا كما يبدو ظاهريًا في بدايته وإنما كما يصار إليه خفيًا في نهايته.

إنَّها الوصايا الأبوية التي استقرت في عمقه الأبوي الداخلي بردًا وسلامًا، نتيجة التنقل الطويل بين محطات الحياة ومعابر التجربة، حتى غدا استدعاء الحكمة والتبصر في استئناف المسير عند أي مفترق طريق؛ مطلب عزيز يقي من أخطاء محتملة أو مزالق خفية.

قد تبدو للولد ثمة جسور للعبور إلى الضفة الأخرى، لكن أكثر هذه الجسور أمانًا هي الوالد، وهي وإن كانت حقيقة في ذاتها ومكتنزة بالمعاني والمقاصد التربوية العميقة، إلا أنها تبقى رهينة وعي الولد وتبصره.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z