رجل أيقظه الشيطان لصلاة الفجر

 

 

 

أنيسة الهوتية

 

إنها قصة وعظيّة، عن شيخ جليل نام عن صلاة الفجر؛ فاستيقظ بعد الشروق وبكى ندما. وفي الليلة التالية، أيقظه الشيطان قبل الأذان. تعجّب الرجل وقال: كيف توقظني للصلاة وأنت عدوي؟ فقال: خشيتُ أن تفوتك صلاتك فتبكي ندمًا ويغفر الله لك من ذنوبك، فأيقظتك حتى لا تنال تلك المغفرة.

والرواية ليست واقعية، لكنها توضح واقعًا في حياتنا يجب أن ندركه: "ما كل من جاء ينصحنا يبغى لنا الخير". أحيانًا المقصد هو حرماننا من خيرٍ أعظم تحت عنوان نصيحة "أو تنفيس عن حقد دفين وغيرةٍ".

وتتكرر الصور في وجوه مختلفة. امرأة تتذمر من بعض المعضلات في زواجها، مع أخت أو صديقة، فتسمع فورًا: "اطلبي الطلاق، كفاك صبرًا"، تبدو الجملة دفاعًا عن كرامتها، لكنها سم مدسوس بالعسل.

وربما هي غيرة؛ من استقرار أو من زوج كريم محب، فتأتي النصيحة مُغلّفة بالحرص وهي تحمل في باطنها رغبة خفية في الهدم.

والعكس كذلك حين يأتي النصح للرجل: طلقها وريِّح راسك!

والأصل هي غيرة لأن زوجته تتميز عن بقية النساء المحيطات.

وأيضا، شابٌ يشتكي صرامة أبيه أو شابة تشتكي شدّة أمّها، فيجد صديقًا يؤكد له: "نعم، يجب أن تضع حدًا لوالديك" فيكبر الضيق ويتحوّل الخلاف العابر إلى قطيعة. لكن ذلك الصديق قد يفتقد في بيته اهتمامًا مماثلًا، أو لا يحظى بما يحظى به صاحبه من رعاية وحب، فيندسّ الحسد الخفي في صورة تضامن وهمي.

وأحيانًا يأتي من يقول: "لا أريد فتنة، لكن من واجبي أن أخبرك… أخوك قال عنك كذا". كلمات تُقال بنبرة مشفقة لكنها تزرع الشك، وتفتح أبواب سوء الظن، حتى تضعف الروابط ويصبح الناقل هو الأقرب والأوثق.

وكذلك في العمل قد تسمع: "مديرك يستغلك، اتركي الوظيفة"، بينما القائل ينتظر أن يخلو له المكان لعلمه بقربك من أصحاب الشأن، أو يُثني أحدهم على مشروعك ثم يهمس: "لا أظنك قادرة على الاستمرار"؛ فيغرس خوفًا لأن نجاحك يزعجه.

ليست كل نصيحة خبيثة؛ فهناك من ينصحك بصدق ولو خالف هواك. لكن النصيحة الصادقة لا تعزلك عن أهلك، ولا تدفعك لقرار مصيري وأنت غاضب، ولا تبني حكمًا على جزء من الحكاية. أما النصيحة المسمومة فتُضخّم السلبيات، وتُهمّش الإيجابيات، وتُشعرك أن الجميع ضدك إلا صاحبها.

كما في القصة، الشيطان أيقظ الرجل، لا حبًا في صلاته، بل خوفًا من انكساره وتوبته. وهكذا بعض البشر؛ قد يدفعونك إلى قرار يبدو في صالحك، بينما هم يخشون أن تبقى قويًا، ممتنًا، متماسكًا. لذلك تمهّل قبل أن تهدم بيتًا، أو تقطع رحمًا، أو تخسر علاقة. انظر للصورة كاملة، واستشر من عُرف بالحكمة والصدق. فليس كل من قال لك "أنا أخاف عليك" يخاف عليك حقًا.

هناك شياطين كثيرة حولنا في صورة بشر ناصحين، والواقع أنهم يخترقون غيرة وحقدًا ويتمنون لنا كل شر مغلف بوهم الخير.

الأكثر قراءة

z