سياسة منع الأسوأ.. الدور المصري في أزمة تُهدِّد الإقليم بأكمله

 

د. عبدالناصر سلم حامد **

في الحروب التي تنهار فيها الدول، لا ينتصر أحد؛ الذي يحدث في الغالب أن الدولة تختفي. والسودان اليوم لا يواجه خطر الهزيمة العسكرية بقدر ما يواجه خطرًا أعمق وأبقى: أن يتحوّل إلى مساحة بلا دولة، تُدار بالعنف لا بالسياسة، وبشبكات النفوذ لا بالمؤسسات. وفي مثل هذه اللحظات، يتبدّل معيار الحكم على الأدوار الإقليمية؛ فلا يُقاس بحدّة الخطاب ولا بكثرة المبادرات، بل بقدرتها على منع الانهيار من التحوّل إلى واقع دائم.

من هذه الزاوية تُقرأ المقاربة التي اعتمدتها مصر تجاه الأزمة في السودان؛ فالسودان ليس ملفًا خارجيًا عابرًا بالنسبة إلى القاهرة، ولا ساحة نفوذ قابلة للتجريب، بل عمق جغرافي وأمني واجتماعي تتقاطع عنده الحدود، وحركة السكان، واستقرار وادي النيل والبحر الأحمر. لذلك فإن أي انهيارٍ للدولة يمتدّ في السودان لا يبقى محصورًا داخل حدوده، بل يرتدّ مباشرةً على الإقليم بأسره.

وتكشف الأرقام حجم المأزق البنيوي؛ إذ وفق تحديثٍ اقتصادي للبنك الدولي (مايو 2025)، دفع النزاع في السودان إلى نحو 12.9 مليون حالة نزوح قسري، بينهم قرابة 8.9 ملايين نازح داخليًا، ونحو 3.8 ملايين عبروا إلى دول الجوار. ولا تعبّر هذه الأرقام عن مأساة إنسانية فحسب، بل تكشف تحوّلًا بنيويًا في طبيعة الصراع؛ إذ يتحوّل النزوح نفسه إلى عاملٍ مُغذٍّ للحرب عبر شبكات تهريب واتجار واقتصاد ظلّ يجد في الفوضى بيئةً مثالية للاستمرار.

في هذا السياق، اكتسب الدور المصري في البعد الإنساني معنىً يتجاوز التضامن؛ فبحسب أرقام حكومة مصر، كما نقلتها منظمة "اليونيسف" في نوفمبر 2024، وصل إلى مصر أكثر من 1.2 مليون سوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وفي الوقت نفسه، تُظهر بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن عدد السودانيين المسجّلين لديها في مصر بلغ 672930 شخصًا حتى 31 مارس 2025، ثم ارتفع إلى 691000 شخص حتى أبريل 2025.

هذا التباين الوظيفي بين عدد الواصلين وعدد المسجّلين ليس تفصيلًا تقنيًا؛ بل حقيقة عملية معروفة في أزمات النزوح الكبرى: تتحمّل الدولة المضيفة العبء أولًا، فيما تأتي إجراءات التسجيل والتصنيف لاحقًا. والأهم أن إدارة هذا النزوح داخل إطار دولة تقلّص، بدرجة كبيرة، احتمالات تحوّله إلى مسارات تهريب واتجار بالبشر، أي إلى أحد أخطر مصادر تمويل العنف غير المباشر. فالفراغ الإقليمي ليس حيادًا، بل بيئة مثالية لاقتصاد الحرب.

سياسيًا.. التزمت القاهرة خطًّا هادئًا ومتزنًا، بعيدًا عن الاستقطاب والمزايدة. ولم تسعَ إلى احتكار مسار الحل، ولم ترفع خطاب الوساطة إلى مستوى الاستعراض؛ بل ركّزت على فكرة محورية: الحفاظ على مرجعية الدولة، ومنع تطبيع التفكك بوصفه واقعًا سياسيًا مقبولًا. فالأزمة السودانية ليست معركة ميدانية فقط؛ بل صراع على الشرعية وعلى من يملك حق تمثيل الدولة. والتجربة الإقليمية تُظهر أن القفز فوق المؤسسات، مهما بدت هشّة، يفتح الباب أمام سلطاتٍ موازية تتحوّل سريعًا إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه.

وتزداد أهمية هذا الخيار حين يُقارن، من دون تسمية، بمقاربات إقليمية أخرى تعاملت مع السودان كساحة تنافس مفتوح أو كورقة تفاوض مرحلي. في مقابل ذلك، اختارت القاهرة نهجًا أقل صخبًا وأكثر التصاقًا بمنطق الدولة: تيسير لا وصاية، وربط للمسارات بدل فرض صيغ جاهزة. وبهذا المعنى، لا يكتسب الدور المصري أهميته من كونه فاعلًا منفردًا، بل من كونه جزءًا من منطق إقليمي يسعى إلى كبح الانهيارات بدل التعايش معها.

أمنيًا.. تمحور التحرك المصري حول منع تمدّد الفوضى شمالًا؛ فتحصين الحدود وتقليص قابلية المنطقة للتحوّل إلى ممرّ لتدوير اقتصاد الحرب ليس إجراءً داخليًا صرفًا، بل جزء من معادلة أوسع تتعلّق بكلفة إطالة الصراع. ففي الحروب الحديثة، لا يستمر العنف بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرته على الوصول إلى الموارد والتمويل والأسواق الموازية. وكلما ضاقت هذه المسارات، ارتفعت كلفة الاستمرار، حتى على أطراف الصراع نفسها.

ومن زاوية أوسع، تتسق هذه المقاربة مع ما تُشير إليه تجارب الدول الهشّة: فالتسويات التي تسبق الدولة غالبًا ما تسبق الفشل. وتاريخ الأزمات في الإقليم يُظهر أن الدول التي تُركت لانهيار مفتوح تحوّلت إلى بؤرٍ دائمة للفوضى، بينما أتاح احتواء الانهيار، ولو جزئيًا، فرصةً متأخرة لإعادة البناء. لذلك يُقاس الدور الفاعل بقدرته على تقليل قابلية النزاع للتمدّد، والحفاظ على فكرة الدولة، وامتصاص الصدمات الإنسانية الكبرى إلى حين توافر شروط تسوية حقيقية.

ويمكن النظر إلى «سياسة منع الأسوأ» بوصفها أحد أنماط إدارة الانهيار في الإقليم، حيث تُقدَّم السيطرة على مسار التفكك بوصفها أولويةً على وعود الحل السريع. ووفق هذا المنطق، لا يُقاس الدور المصري بقدرته على إنهاء الحرب- وهو معيار يتجاوز إمكانات أي فاعل إقليمي منفرد- بل بقدرته على إبطاء مسار الانهيار والحفاظ على فكرة الدولة بوصفها مرجعيةً وحيدة محتملة لأي تسوية مستقبلية. فالدولة التي تختفي لا تُستعاد بسهولة، بينما الدولة المُرهَقة قد تُرمَّم إذا توفّرت نافذة سياسية لاحقة وشروط أكثر توازنًا.

ليست «سياسة منع الأسوأ» شعارًا أو توصيفًا دعائيًا؛ بل قراءة عملية لوظيفة إقليمية في زمن الانهيار: إدارة المخاطر بدل تصعيدها، وخفض الاستقطاب بدل تغذيته، وحماية فكرة الدولة إلى أن تتشكّل نافذة واقعية للخروج من الأزمة. فحين تختفي الحلول السريعة وتغيب التسويات الشاملة، تصبح هذه المقاربة إحدى الأدوات القليلة المتاحة لتقليل كلفة التفكك ومنع تحوّله إلى نمط دائم. وفي زمن تتقدّم فيه الانهيارات على الحلول، تصبح السياسات التي تمنع الأسوأ أقلّ من أن تكون خيارًا، وأقرب إلى الحدّ الأدنى من العقل السياسي.

** كبير الباحثين ومدير برنامج السودان وشرق أفريقيا- فوكس السويد

** باحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z