حسين الراوي
في أذهان معظم الناس، بل وفي ألسنة الكثير من المتعلمين والأدباء، استقرت العبارة الشهيرة: “العربية لغة الضاد”. وصارت هذه التسمية رمزًا لفخر الهوية، وشعارًا يُردَّد في المنابر والكتب والأناشيد، حتى كأنها مسلَّمة لا تقبل الجدل!
لكن الحقيقة اللغوية التاريخية تخبرنا بغير ذلك؛ فالعربية بحسب أئمة اللغة الأوائل ليست لغة الضاد بالأولوية، بل هي لغة الظاء، وهذا ما صرَّح به أول من وضع معجمًا مرتبًا على حروف الهجاء: الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى عام 175هـ؛ حيث كتب بكل وضوح وحزم في مقدمة كتابه الخالد (العين)، الذي هو أول معجم عربي حقيقي: “وليس في شيء من الألسن ظاء غير العربية” (1/53).
ثم يعيد التأكيد في خاتمة الكتاب نفسه: “والظاء عربية لم تُعطَ أحدًا من العجم، وسائر الحروف اشتركوا فيها” (العين، 8/174).
هاتان العبارتان ليستا مجرد رأي شخصي، بل أصبحتا أساسًا لإجماع علماء اللغة القُدامى. فقد نقل عثمان بن سعيد الداني المتوفى عام 444هـ في كتابه (الفرق بين الضاد والظاء): إجماع أهل اللغة على أن “العرب خُصّت بحرف الظاء دون سائر الأمم، لم يتكلم بها غيرهم”.
ومثله قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي المتوفى عام 321هـ، صراحة في مقدمة معجمه (جمهرة اللغة)، الجزء الأول، ص41، طبعة دار العلم للملايين: “منها حرفان يختص بها العرب دون الخلق، وهما الظاء والحاء، وزعم آخرون أن الحاء في السريانية والعبرانية والحبشية كثيرة، وأن الظاء وحدها مقصورة على العرب”.
فلماذا إذن غلب على الناس وصف العربية بـ”لغة الضاد”؟ الجواب يعود- في جزء كبير منه- إلى شطر من بيت شعر خالد لأبي الطيب المتنبي المتوفى عام 354هـ، هو: "وبهم فخر كل من نطق الضاد"؛ حيث قال المتنبي في مدح الأمير سيف الدولة الحمداني، مفاخرًا ببني حمدان:
وبِهِمْ فَخْرُ كُلِّ مَن نَطَقَ الضّادِ
وَعَوْذُ الجاني وغَوْثُ الطَّريدِ
هذا البيت الرائع، بجماله الإيقاعي وفخره القومي، انتصر على النصوص العلمية الدقيقة، فصار الضاد رمزًا شعبيًا للعروبة، بينما الظاء على الرغم من أنه أكثر خصوصية بقي في دائرة المتخصصين.
ويزيد الأمر تعقيدًا أن بعض الناس يستندون خطًا إلى حديث منسوب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: "أنا أفصح من نطق بالضاد". (أو بصيغ مشابهة)، لكن الحافظ ابن كثير رحمه الله، في تفسيره لسورة الفاتحة عند الآية الأخيرة، حسم الأمر بقوله: “وأما حديث: أنا أفصح من نطق بالضاد فلا أصل له، والله أعلم”. فهو ليس حديثًا نبويًا صحيحًا، بل من الأقوال التي لا سند لها.
لكن الدقة العلمية تفرض علينا القول إن الضاد وإن كانت صعبة النطق على غير العرب، وكثر استعمالها في الفصحى، تبقى ليست مقصورة على العربية مطلقًا. فقد وجدت آثار لها أو لأصوات قريبة منها في بعض اللغات السامية القديمة (كالأوغاريتية والأكادية وبعض اللهجات الحبشية)، أو اختلطت في النطق مع غيرها عند الأعاجم. أما الظاء فهي فعلًا الحرف الذي لم يُشرك العرب فيه أحدًا من الأمم، وهو ما جعله الخليل يميزه بهذه الصراحة النادرة.
ولو تأملنا الأمر بعمق، لوجدنا أن الظاء بضخامتها الصوتية وشدتها وقلة ورودها النسبية، تحمل صفات تميز اللسان العربي في قوة وامتلاء وندرة في آن. فهي ليست مجرد حرف، بل علامة على فرادة هذه اللغة التي اصطفاها الله لتكون لغة القرآن الكريم.
إنَّ العودة إلى كلام الخليل بن أحمد ليست رفضًا للضاد، فهي بالتأكيد من روائع العربية ومميزاتها، ولكنها تصحيح لمفهوم خاطئ شاع وانتشر، ودعوة للدقة العلمية والإنصاف التاريخي. فلتُعدَّ العربية كما وصفها أئمتها الأوائل لغة الظاء، أو على الأقل: لغة الضاد والظاء معًا، لكن الأولى بالذكر والأحق بالاختصاص هي الظاء.
فمتى نصحح هذه المقولة في كتبنا ومناهجنا وخطابنا العام؟ ومتى نعيد للخليل حقه، وللغة العربية دقة وصفها الحقيقي؟
