البحرين بين التحديات والآمال.. قراءة واقعية ومسؤولة في اقتصاد المستقبل (2)

 

 

 

عبدالنبي الشعلة **

تلقيتُ عددًا غير قليل من الملاحظات والتفاعلات الإيجابية على مقالي المنشور الأسبوع الماضي تحت العنوان نفسه "البحرين بين التحديات والآمال.. قراءة واقعية ومسؤولة في اقتصاد المستقبل"، وهو تفاعل أقدّره وأعتز به، لأنه يعكس حجم القلق المشروع الذي يساور شريحة واسعة من المواطنين إزاء الوضع الاقتصادي الراهن، كما يعكس في الوقت ذاته تعطّشًا لنقاش جاد ومتزن، بعيدًا عن التهوين أو التهويل.

في ذلك المقال حاولتُ التأكيد على أهمية التمسك بروح التفاؤل والإيجابية في مواجهة التحديات الاقتصادية التي نمر بها، دون التقليل من خطورتها أو إنكار أبعادها، ودعوتُ إلى الاستفادة من تجارب دول واجهت أزمات اقتصادية عميقة، لكنها تمكنت من تجاوزها بإرادة سياسية، ورؤية واضحة، وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع.

ورغم أنني لم أبرئ أحدًا من المسؤولية، فقد رأى بعض القراء والمتابعين أنني بالغت في التفاؤل على حساب الواقعية، وأنني لم أحدد المسؤوليات، أو أطرح حلولًا عملية، أو أتطرق بوضوح إلى قضايا جوهرية؛ مثل العجز المالي، وارتفاع كلفة خدمة الدين العام، وتراجع التصنيف الائتماني، وضرورة المحاسبة، بل وذهب بعضهم إلى الدعوة إلى ما أصفه بـ«الحلول السحرية»، كالتخلص الفوري من فوائد القروض، أو تصفية الدين العام بالكامل، مع الاستمرار في الوقت ذاته في رفع الأجور، وتوسيع الدعوم، وتوفير فرص العمل، دون الإخلال بمتطلبات التنمية.

وأقولها بوضوح: التفاؤل تهمة لا أتبرأ منها، ولن أعتبرها يومًا نقيصة؛ فالتفاؤل، حين يستند إلى قراءة للتاريخ، وإلى تجارب واقعية، يصبح عنصر قوة لا ضعف. وهو ليس نقيضًا للمحاسبة أو الإصلاح، بل شرط نفسي وأخلاقيًا لإنجاح أي مشروع إصلاحي.

نحن في البحرين مررنا بتجارب لا تقل قسوة عن التي نمر بها اليوم؛ ففي مطلع ثلاثينيات القرن الماضي انهار اقتصاد اللؤلؤ، الذي كان العمود الفقري للاقتصاد البحريني، نتيجة ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني وتزامن ذلك مع الكساد العالمي. ضُربت مصادر الرزق، وتبدلت الأحوال، لكن الآباء والأجداد لم يستسلموا لليأس، بل صمدوا وتسلحوا بالإيمان والثقة، فجاء اكتشاف النفط عام 1932 وكأنه تجسيد لمعنى الحديث الشريف: "تفاءلوا بالخير تجدوه".

كما لا يمكن أن ننسى ما شهدته منطقتنا في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات: الثورة الإيرانية، حادثة جهيمان في الحرم المكي، الغزو السوفييتي لأفغانستان، الحرب العراقية الإيرانية وما رافقها من "حرب الناقلات"، ثم الغزو العراقي للكويت وتداعياته الخطيرة. كانت تلك مرحلة مضطربة أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، ومع ذلك استطاعت البحرين ودول الخليج امتصاص الصدمات، وإن كان ذلك بثمن اقتصادي كبير.

صحيحٌ أن أسعار النفط ارتفعت خلال ما سُمي بـ«الطفرة النفطية الثانية» (1979–1982)، إلا أن معظم العوائد استُنزفت في تعزيز القدرات الأمنية والدفاعية، وفي مواجهة ارتفاع كلفة الاستيراد والتأمين البحري، ما حال دون تحقيق قفزات تنموية كبرى. ثم عاد النفط ليتراجع في منتصف الثمانينيات، وبدأنا نسمع مفردات "شد الحزام" و"ترشيد الإنفاق" ودخل الاقتصاد مرحلة ركود أثرت على القطاعين العام والخاص.

وهنا أتحدث من موقع الشاهد؛ فقد كنتُ حينها عضوًا في مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة البحرين، وشاركتُ في لجنة شكلتها الغرفة في أكتوبر 1985 لدراسة تباطؤ النمو الاقتصادي. عملت اللجنة، التي ضمت نخبة من رجالات الأعمال والاقتصاد، على إعداد دراسة شاملة رُفعت إلى رئيس الوزراء وقتها المغفور له صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، ووصفتها الحكومة يومها بأنها "مرجعية" وسعت إلى تطبيق توصياتها، في نموذج يُحتذى به في الشراكة وتحمل المسؤولية.

وتكرر المشهد في منتصف التسعينيات، عندما شرفتُ بتولي وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وكان سعر النفط قد هبط إلى ما دون 10 دولارات. وقادت الحكومة آنذاك سياسة ترشيد صارمة، بدأت من الأعلى، وتحملتْ أعباءها، وتمكنَّا- مرة أخرى- من عبور المرحلة.

الخلاصة التي أود التأكيد عليها اليوم هي أن الأزمات الاقتصادية، مهما بلغت حدتها، ليست قدرًا أبديًا، بل محطات اختبار للإرادة والرؤية. نعم، نحن بحاجة إلى إصلاحات جادة، وإدارة مالية حازمة، ومصارحة مسؤولة، ومحاسبة عادلة، لكننا في الوقت ذاته بحاجة ماسة إلى الحفاظ على الثقة، وعدم الاستسلام لخطاب الإحباط والتشاؤم. فالبحرين، بتاريخها، وإنسانها، وانتمائها الخليجي، تملك من المقومات ما يؤهلها لتجاوز هذه المرحلة، شريطة أن نتكاتف، ونفكر بعقل راجح، وقلب مؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل مما نخشاه اليوم.

** كاتب بحريني

الأكثر قراءة

z