أنور الخنجري
ليست كل المباني القديمة مُجرد شواهد معمارية من الماضي؛ فبعضها يتحول، مع مرور الزمن، إلى ذاكرة حيّة تختزن لحظات التحول الكبرى في حياة الشعوب. وبيت البرندة في ولاية مطرح هو أحد تلك الأمكنة التي لا ينبغي النظر إليها بوصفها أثرًا معماريًا فحسب، بل باعتبارها شاهدًا على ميلاد مرحلة جديدة في التاريخ الصحي والاجتماعي للسلطنة.
شُيّد بيت البرندة في أواخر القرن التاسع عشر كبيت ثانٍ للوجيه والتاجر المسقطي المعروف نصيب خان بهادور الرئيسي، غير أن دوره التاريخي الأبرز بدأ عام 1909م، حين استأجرته الإرسالية الأمريكية واتخذه الطبيب الأمريكي شارون جون طوماس مسكناً ومقرًا لعمله الطبي، لتشهد جدرانه أولى ممارسات الطب الحديث بشكل منظم. ومن هذا البيت، تعرّف المجتمع العُماني لأول مرة على الفحص الطبي المنهجي، واستخدام الأدوية الحديثة، وإجراء التدخلات الجراحية البسيطة، في زمن كانت فيه هذه المفاهيم تمثل قفزة معرفية غير مألوفة. ولم يكن ذلك مجرد تطور مهني محدود، بل تطور أسهم بهدوء وتدرج في إعادة تشكيل مفهوم الرعاية الصحية في السلطنة.
كما أن رمزية بيت البرندة تتجاوز كونه نقطة الانطلاق الأولى للطب الحديث؛ إذ ارتبط هذا المكان أيضًا بلحظة إنسانية فارقة، حين توفي فيه الطبيب شارون طوماس عام 1913م إثر حادث عرضي أثناء قيامه بأعمال مُتصلة بمدّ خط التلغراف الذي كان يربط مقر البعثة التبشيرية في مسقط بمكان عمله الطبي في مطرح. وبذلك أصبح البيت شاهدًا على البدايات وعلى التضحيات معًا، ومكانًا لوفاة أوَّل طبيب مارس الطب الحديث في عُمان.
بعد وفاة طوماس، واصلت البعثة الطبية عملها في بيت البرندة عبر أطباء آخرين، من بينهم الطبيب بول هاريسون الذي اتخذه أيضاً مسكناً ومقرًا لعمله بين عامي 1928 و1933. ومع تزايد أعداد المرضى والحاجة إلى منشأة أكثر تنظيمًا، برزت فكرة إنشاء مستشفى مستقل. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، وبتمويل من الثري الأمريكي تشارلز نوكس، شُيّد مستشفى نوكس التذكاري في مطرح، وافتُتح رسميًا عام 1934م، ليشكّل نقلة نوعية في تاريخ الطب في عُمان، حيث ضم أجنحة للمرضى وغرف عمليات وصيدلية، وأصبح المرجع الصحي الأهم لعقود طويلة، قبل أن تنتقل ملكيته لاحقًا إلى الحكومة العُمانية ويُعرف باسم مستشفى الرحمة.
وعلى الرغم من الرحيل المُبكر للطبيب شارون طوماس، فإن الأثر الإنساني لتجربته لم ينقطع. فقد عاد ابنه، ويلز طوماس، بعد سنوات من دراسة الطب في الولايات المتحدة الأمريكية، ليكمل مسيرة والده ويعمل طبيبًا في مطرح، في البيئة ذاتها التي شهدت بداية تجربة والده ونهايتها. وقد عُرف مستشفى نوكس أيضاً في الذاكرة الشعبية باسم "مستشفى طوماس"، في إشارة إلى طوماس (الابن) الذي خدم في عُمان لأكثر من ثلاثين عاماً، ليصبح بذلك امتداداً حياً لتجربة والده وجسراً إنسانياً بين جيلين من الطب الحديث في عُمان.
اليوم، وبينما لم يعد مبنى مستشفى نوكس التذكاري قائمًا، يظل بيت البرندة حاضرًا، محتفظًا بقيمته المادية والرمزية، وبذاكرته الصامتة كمكان بدأ فيه الطب الحديث، ووقعت فيه أحداث أسست لمراحل متقدمة من الرعاية الصحية في البلاد.
وانطلاقًا من هذه الخلفية، يبرز اقتراحٌ ثقافي بالغ الأهمية يتمثل في تحويل بيت البرندة، إلى متحف للطب الحديث، بوصفه: أول مبنى قُدِّمت فيه بدايات الخدمات الصحية الحديثة، ونقطة الانطلاق التي قادت لاحقًا إلى تأسيس المستشفيات والخدمات الصحية في عُمان. ويمكن للمتحف أن يبرز دور الرواد الأوائل من أطباء ومساعدين – عُمانيين وأجانب – إكراماً لدورهم وتضحياتهم في العمل الطبي. وأن يضم وثائق وصورًا تاريخية، وأدوات طبية قديمة، وشروحات تفاعلية، وربطًا زمنيًا بين الطب التقليدي والحديث، بما يجعله إضافة نوعية للمشهد الثقافي والسياحي في السلطنة، ومكمّلًا للمواقع التاريخية القائمة، خاصة مع غياب متحف أو مركز توثيقي يعنى بتاريخ الطب في عُمان.
وتزداد أهمية هذا المقترح حين نعلم أن المبنى كان مهيأً أصلًا للوظيفة المتحفية؛ إذ استُخدم منذ عام 2006م كمتحف يبرز تاريخ المنطقة، واستمر في أداء هذا الدور حتى إغلاقه إبان جائحة كورونا عام 2020، وهو الإغلاق الذي لا يزال قائمًا حتى اليوم. وعليه، فإنَّ إعادة افتتاح بيت البرندة بمحتوى متخصّص لا تتطلب إنشاء بنية جديدة، بقدر ما تستدعي إعادة توظيف واعية لمكان قائم.
إنَّ توثيق تاريخ الطب ليس ترفًا ثقافيًا، بل حفظ للذاكرة الوطنية والاعتراف بالتحولات التي أسهمت في تحسين حياة الإنسان العُماني. ويمثل بيت البرندة فرصة فريدة لتحويل ذاكرة صامتة إلى مساحة معرفية حيّة تروي للأجيال كيف بدأ الطب الحديث في عُمان… من بيت، ومن طبيب، ومن قصة إنسانية لم تكتمل، لكنها استمرت. ففي هذا البيت، قبل أكثر من مائة عام، بدأ الأمل في علاج مختلف... ومن هنا بدأت قصة الطب الحديث في عُمان.
