القواسم المشتركة والمرتكزات القيمية الجامعة للتعايش بين الأمم والثقافات

 

 

 

 

أ.د. محمد أحمد عزب **

 

يعد التعايش المجتمعي أحد أهم ركائز الاستقرار والتنمية في أي مجتمع؛ حيث يقوم على فهم القيم المشتركة التي تجمع بين أفراد المجتمع ويتعداه إلى تجاوز الخلافات الثقافية والاجتماعية، مما يؤسس لبيئة صحية تنمو فيها الأفكار والأشياء معًا.

رفاهيته وحماية مصالحه. في ظل القواسم المشتركة يحرص كل فرد على تقدير الآخرين بغض النظر عن اختلافاتهم في العرق أو الدين أو المعتقدات. كما تلعب في ظله المسؤولية الاجتماعية دورًا بارزًا، إذ يشعر كل فرد بالالتزام تجاه مجتمعه ويشارك في تعزيز ريادته واستقراره.

يتيح التواصل الفعّال، كأحد نواتج القواسم المشتركة تبادل الأفكار والحلول بشكل سلمي وبنّاء، ما يقلل من سوء الفهم والنزاعات

يعدُّ الأخذ بالقواسم المشتركة، وتفعيل أواصرها من المتطلبات المهمة للمجتمعات في دمج مكوناتها التي تتشكل من خلالها، فما من أمة إلا وفيها أخلاط، وفيها اختلاف في الطبائع والثقافات، ومهما توحدت الأمة، فيبقى الخلاف سمة طُبع عليها البشر حيث قال تعالى: "ولا يزالون مختلفين"؛ فالتسليم بوجود الاختلاف أحد أهم مدارات الحد من تحوله إلى تنافر.

الخلاف وتنوعه

يؤول الخلاف بين الناس إلى نوعين رئيسيين:

الأول: اختلاف التنوع، يكون فيه كل أطرافه على حق، وقد يكون حق أحدهما أولى من الآخر، لكن في النهاية يظل الخلاف في تلك الدائرة لا يحق فيه لطرف أن يدعي أنه يملك الحق الذي ينبغي على الجميع الانقياد له

والثاني: خلاف التضاد، وهذا النوع يكون طرف الحق فيه واحدا، ولا يمكن في هذا النوع إلا أن يطرح أحد الوجهين ويقبل الآخر.

في قضايا أمتنا المسلمة غالب الخلاف يؤول للأول، ويخرج منه، فهو خلاف في التنوع لا في التضاد، وخلاف في الأوْلى لا في الحق والباطل، وخلاف في العرض لا في الجوهر.

قيم التعايش المطلوبة

حين ننظر بعين فاحصة للقواسم المشتركة التي يمكن للمجتمعات أن تتعايش بها إذا وصل الأمر لخلاف التضاد، فنجد منها قيمة الرحمة كأحد أهم القواسم التي تحبها النفوس وترتاح لها، وتؤوب إليها، وما من مجتمع غلّب الرحمة وسادت بين مكوناته إلا وطمرت في ثناياها كل ضغينة وأطفأت كل نار، وأذهبت كل حقد.

فإن المرء قد يختلف مع أخيه في المذهب، ويبقى اتفاقه في الإنسانية هو الأساس الذي عليه المعاملة، والمواقف التي ورثناها عن الأجيال الفاضلة تمشي في هذا المساق.

ولقيمة الرحمة المهمة، وأهميتها جعلها المحدثون أول ما يسمعه طالب الحديث إذا ابتغى أن يسمع الحديث، فاشتهر بينهم ما يعرف بالحديث المسلسل بالأولية، وهو حديث: "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

تأتي قيمة العدل كأحد أهم القواسم المشتركة بين البشر، فما من إنسان يكره العدل، أو يصفه بشين قط، فبالعدل قامت السماوات والأرض، وجلُّ فلاسفة الأخلاق مجمعون على أنه أحد أهم دعائم الأخلاق والفضائل.

جسدت وثيقة المدينة التي أبرمها الرسول مع اليهود جانبا من القواسم المشتركة التي يمكن للمختلفين في الملة والديانة أن يتعايشوا فيما بينهم، وإنما ذلك بالعدل بين المكونات جميعا، والتزام الأطراف بأداء الواجبات، في مقابل الحصول على الحقوق.

لقد أعلت الشريعة من قيمة العدل بصورة مدهشة، وحذرت من تظالم الخلق فيما بينهم، وأوصت بالعدل في الرضا والغضب

لا تجد أمة على وجه الأرض تكره العدل، أو تشين العيش به، بل هو الخط المستقيم والكابح الأهم إذا بغت النفوس، أو تاقت لما لا يحق لها، يأتي العدل ليقف بها عند حدود الحق بلا تجاوز.

تلحق الأخلاق عموما في مفرداتها بما سبق، فالأخلاق إحدى دعائم قيام المجتمعات، وإحدى أهم معززات استمرارها وبقائها، وإذا تجرد الفرد، أو تجردت الأسر، أو تجرد المجتمع من الأخلاق، أكل بعضه بعضا، وبغى بعضه على بعض، وصار فناؤه أقرب من غروب شمس يومه.

لقد أرادت الشريعة في مجملها أن يتعايش الناس بكل مكوناتهم الفكرية والدينية آمنين، وامتدحت دائما القواسم التي تجعل بعضهم يأمن بعضا، فأمرتهم برعاية الحقوق، وجعلت خلافهم في الديانة مصيره إلى الله تعالى، فهو الذي يحكم بين المختلفين.

إن السؤال الأهم اليوم: كيف يمكن الوصول إلى صناعة القواسم المشتركة؟

صناعة القواسم المشتركة

قد يكون الكلام على القواسم المشتركة أو ما يمكن تسميته بالمرتكزات القيمية الجامعة، أو المرتكزات الأخلاقية الجامعة، التي تنشد قبول الأخر والتعاون معه كلاما يبدو قادما من جمهورية أفلاطون، أو يوتبيا توماس مور يصعب تحقيقه على أرض الواقع، أو يمكن أن يتشكل، ويتحقق؛ لكن في العقلية الذهنية لا في الحقيقة المجتمعية الراسخة القادرة على التفاعل والتلاقح

من هنا يبرز سؤال: كيف يمكن أن تتشكل القواسم المشتركة، أو المرتكزات القيمية الجامعة؟

أسس صناعة المرتكزات القيمية الجامعة والقواسم المشتركة

لا تتشكل المرتكزات القيمية الجامعة تلقائيًا، ولا تُفرض على المجتمعات فرضا قسريا، وإنما تُصنع عبر مسار تراسلي تتابعي تشترك فيه مؤسسات المجتمع كافة، ثم هي لا تنبت فجأة، ولا تتشكل بسيف القانون، ولا بنظم القواعد، بل هي عملة غالبها تربوي يُسهم مرور الزمن في صناعتها وتأكدها

تبدأ صناعة القواسم المشتركة والمرتكزات الجامعة في القيم من الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى للوعي الأخلاقي، والبيئة التي تتلقى الصغير وتصنع فيه صناعة الحائك في بين يديه من الأقمشة الخام؛ حيث تبدأ من الأسرة عملية الغراس، والتي عليها توفير البيئة الملائمة لقبول الآخر، واحترام حقه في الاختلاف، والتدرب على إدارة التباين دون عنف أو إقصاء.

لا تنتهي بالقطع عملية نقل الخبرات والتدريب من الأسرة، ولكن تتداخل معها في سن ما العملية التعليمية، أو دور التعليم بأنواعها ومراحلها المختلفة، والتي هي الحاضنة الثانية للناشئة؛ حيث يقع على عاتقها الانتقال بالمرتكزات القيمية الجامعة من مجرد الشعور إلى مستوى الوعي الكامل القادر على الممارسة، وهذا من خلال مناهج الدراسة، وممارسات المعلمين، والأنشطة المصاحبة.

يأتي في القلب من ذلك الخطاب الديني، وهذا الخطاب من الأهمية بمكان، فإن بإمكانه أن يطيح بسنوات من غراس الأسرة ودور التعليم، وعلى قدر وسطية هذا الخطاب وخروجه من أفواه الراسخين الذين آمنوا بالمحكم والمتشابه من الكتاب، رادين علم ما لم يعلموا إلى العليم الخبير، على قدر صفاء نواتجه، وسمو مخرجاته

ويأتي بعد ذلك الخطاب الإعلامي إذ إن الخطاب الإعلامي مسؤول عن توسيع دوائر المشترك الإنساني الضامن للتعايش الآمن بين الأفراد، ويستطيع تضييق مساحات التنازع، ومقاومة ثقافة التحريض والاستقطاب

وكلما كان الخطاب الإعلامي رشيدا كان ناجحا، وكلما قام عليه العقلاء الذين لا يبغونها عوجاء جاء يجعل خريطة المجتمع لا ترى فيها عوجا ولا أمتا

ويأتي مع ما سبق في صناعة المشترك الإنساني، والمرتكزات القيمية الجامعة للتعايش العدالة التي توفرها المظلة القضائية؛ فهي من أهم آليات صناعة المشترك الإنساني القادر على نبذ الخلاف أو التعايش به دون نزاع، لأن الشعور بالإنصاف يولّد الثقة، والثقة شرط لازم لأي تعايش مستقر.

** أستاذ الدعوة بكلية العلوم الشرعية- سلطنة عُمان

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z