الحزم.. قلب الرستاق النابض ورؤية تنموية واعدة

 

 

 

 

صالح بن ناصر الغافري

 

في قلب مُحافظة جنوب الباطنة تتربع ولاية الرستاق بتاريخها العريق ومآثرها الراسخة، لتبقى سجلًا مفتوحًا من المجد العُماني ومسرحًا لأحداث سياسية وثقافية شكلت جزءًا من هوية الوطن. ومن بين جنباتها تبرز منطقة الحزم، تلك الجوهرة التي كانت مركزًا للقرار ومقرًا للعلم وملتقى للقادة والعلماء، وحصنها الشامخ شاهد على عصور القوة والازدهار وموقع استراتيجي يربط بين الجبل والسهل وبين التاريخ والمستقبل. 

واليوم تواصل الرستاق مسيرتها التنموية بثقة، مُستندةً إلى ماضيها المجيد ومُتجهةً نحو مستقبل أكثر إشراقًا. فقد أصبحت بما لها من امتداد جغرافي وأهمية استراتيجية وعراقة تاريخية إحدى أبرز ولايات جنوب الباطنة، وهي تعيش في ظل العهد الزاهر نهضة متجددة تتجاوز حدود التراث لتُواكب حضارة المستقبل. 

وتبرُز الحزم كأحد أهم ملامح هذه النهضة؛ فهي بوابة الرستاق الرئيسية ومركز ثقلها التاريخي والمعاصر، تستقبل الزائرين عبر الطريق السريع بين مسقط ومحافظات الباطنة، وتربط الولاية بالظاهرة والداخلية وصولًا إلى دولة الإمارات، مما يجعلها محور مواصلات حيوي يمنحها ميزة تنافسية في التجارة والسياحة واللوجستيات.

الحزم ليست مجرد نقطة عبور، بل مركز حضري واعد يحمل فرصًا تنموية متعددة. فإلى جانب حصنها الشامخ والبيوت الطينية القديمة التي يمكن تحويلها إلى حي تراثي سياحي، تبرز الحاجة إلى إنشاء متنزه عام واسع يكون متنفسًا للعائلات ومركزًا للفعاليات الثقافية والرياضية، إضافة إلى جامعة أو كلية متخصصة في السياحة والتراث أو إدارة الأعمال؛ بما يعزز البُعد التعليمي ويخلق جيلًا مرتبطًا بتراثه وقادرًا على تحويله إلى قيمة اقتصادية وثقافية.

وفي الجانب الاقتصادي، فإنَّ إنشاء مجمعات تجارية حديثة سيجعل الحزم محطة رئيسية لتلبية احتياجات الأهالي والزوار ويوفر فرص عمل للشباب ويعزز الحركة الاقتصادية. ومع تحديث شبكة الطرق ستصبح أكثر سهولة في الوصول، مما يزيد من جاذبيتها الاستثمارية ويجعلها مركزًا تجاريًا وخدميًا نابضًا بالحياة.

وتشهد الحزم مشروعًا لتطوير متنزهها العام يشمل ممشى بطول كيلومتر واحد ومنطقة ألعاب للأطفال ليكون وجهة ترفيهية شبه متكاملة. وإن كان هذا المُنجز محل تقدير واعتزاز من الأهالي، فإنَّ تطلعاتهم تتجاوز ذلك نحو مشروع أكثر اتساعًا وثراءً، بممشى أطول ومساحات خضراء أوسع ومرافق إضافية تلبي تطلعات مختلف الفئات العمرية. هذا الطموح لا يقلل من قيمة ما تحقق، بل يعكس رغبة المجتمع في أن تكون الحزم نموذجًا حضاريًا متكاملًا يواكب تطلعات المستقبل ويعزز مكانتها كوجهة سياحية وتنموية بارزة.

ومن المشاريع التي يمكن أن تضفي بُعدًا جماليًا وسياحيًا للحزم، إنشاء ممشى يمتد من حصن الحزم بمحاذاة فلج التيار، ذلك الشريان المائي العريق الذي يتجاوز طوله 3 كيلومترات ونصف، يُهيأ برصف مناسب وإنارة ليلية هادئة ونقاط استراحة مظللة وأكشاك خفيفة تقدم خدمات للزوار، إلى جانب مجسمات تعريفية توثق تاريخ الفلج والحصن، مما يحوله إلى مسار ثقافي وترفيهي يستقطب الزوار ويمنح الأهالي متنفسًا يوميًا يعزز من جودة الحياة ويرسخ العلاقة بين الإنسان والمكان. كما إن إنشاء مركز ثقافي متعدد الوظائف يضم مكتبة عامة وقاعات عروض ومتحفًا مصغرًا يوثق تاريخ المنطقة سيضيف بعدًا نوعيًا، إلى جانب مسارات سياحية بيئية تربط الحزم بالمواقع الطبيعية المحيطة، مما يسهم في تنشيط السياحة الداخلية ويمنح الزوار تجربة متكاملة تجمع بين الطبيعة والتاريخ.

وفي ظل التوسع العمراني المتسارع، تبرز الحاجة إلى مركز صحي متكامل يقدم خدمات طبية نوعية ويعزز جودة الحياة للسكان والزوار، مع تصميم مرافق عامة شاملة ومهيأة لذوي الإعاقة وكبار السن، بما يعكس وعيًا حضاريًا بأهمية العدالة الاجتماعية والشمولية. كما أن الاستثمار في الاقتصاد الأخضر من خلال استخدام الطاقة الشمسية في الإنارة العامة والمباني الحكومية والمرافق السياحية سيجعل من الحزم نموذجًا للمدن الذكية الصديقة للبيئة.

إنَّ ما تحقق في الحزم يمثل بداية واعدة، لكنه خطوة أولى في مسار طويل من البناء والتطوير، فهي مشروع حضري متكامل يجمع بين عبق التاريخ وروح العصر ويحتضن المتنزهات والمراكز التعليمية والمرافق الاقتصادية ويجسد تطلعات التنمية المستدامة، ومع التوسع المستقبلي يمكن أن تتحول إلى مركز إقليمي يحتضن مهرجانات موسمية وأسواقًا للحرف التقليدية ومراكز تدريب مهني تسهم في تمكين الشباب وتعزيز الهوية الوطنية.

وفي الختام.. إنَّ أبناء الرستاق- وفي مقدمتهم أهالي وشباب الحزم- يحملون اعتزازًا بتاريخهم وإيمانًا بمستقبلهم ويتطلعون إلى أن تكون منطقتهم مشروعًا حضاريًا متكاملًا يليق بماضيها المجيد ويواكب تطلعات العصر، ومن هنا تأتي الدعوة الصادقة إلى صناع القرار والمخططين والجهات المعنية بأن يمنحوا الحزم ما تستحقه من اهتمام ورعاية لتكون منارة مضيئة في حاضر الرستاق ومستقبلها ومركزًا نابضًا بالحياة يليق بمكانتها التاريخية ويعزز حضورها في خارطة عُمان المستقبل نحو غدٍ مُشرقٍ.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z