التنويع الاقتصادي: تطور المفهوم والتطبيقات في الدول المتقدمة والنامية (2 - 6)

 

 

عبيدلي العبيدلي **

 

المفهوم الشامل لمقولة التنويع الاقتصادي

في الأدبيات الاقتصادية المعاصرة، لم يعد التنويع الاقتصادي يُفهم بوصفه مجرد زيادة عدد القطاعات الإنتاجية أو إنشاء أنشطة جديدة إلى جانب النشاط السائد، بل بات يُنظر إليه كعملية تحول هيكلي عميقة تمس بنية الاقتصاد الوطني ومصادر نموه وعلاقته بالاقتصاد العالمي. فالتجارب الدولية أثبتت أن تعدد القطاعات بحد ذاته لا يضمن الاستقرار أو النمو المستدام، إذا لم يكن هذا التعدد قائمًا على قاعدة إنتاجية حقيقية وقدرة تنافسية متنامية.

يُفهم التنويع الاقتصادي، في إطاره الشامل، بوصفه مسارًا طويل الأمد لإعادة توزيع مصادر الدخل والنمو بين قطاعات متعددة، بما يقلل من الاعتماد على قطاع واحد أو مورد واحد أو سوق واحدة. ويتحقق هذا المسار من خلال تعميق الأنشطة داخل القطاعات القائمة، ورفع إنتاجيتها، وتنويع الصادرات، وتوسيع قاعدة الشركاء التجاريين، إلى جانب تنويع مصادر الإيرادات العامة، بما يعزز قدرة الاقتصاد على الصمود أمام الصدمات الخارجية (Hausmann et al., 2014 UNIDO, 2020).

كما يتضمن المفهوم الشامل للتنويع الاقتصادي بعدًا مؤسسيًا محوريًا، إذ لا يمكن تحقيق تنويع فعلي من دون مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقييم. فضعف الحوكمة، وغياب الشفافية، واختلال الأطر التنظيمية، كلها عوامل تحد من فعالية سياسات التنويع، وتحوّلها إلى مجرد أهداف معلنة لا تجد طريقها إلى التطبيق العملي.

التعريف العلمي المتكامل لمفهوم التنويع الاقتصادي

تُظهر مراجعة الأدبيات الاقتصادية أن غياب تعريف موحد للتنويع الاقتصادي لا يعكس ضعفًا في المفهوم بقدر ما يعكس اتساع نطاقه وتعدد أبعاده. فالتنويع الاقتصادي يتقاطع مع قضايا النمو، والتنمية، والاستقرار، والتنافسية، والتحول الهيكلي، ما يجعل اختزاله في تعريف إجرائي ضيق أمرًا غير دقيق. ومع ذلك، فإن الحاجة إلى تعريف علمي متكامل تظل ضرورية لتوجيه السياسات العامة، وتقييم الأداء، ومقارنة التجارب الدولية.

في التعريفات المبكرة، كان التنويع يُفهم غالبًا بوصفه انتقالًا من الاعتماد على قطاع أولي إلى تعدد القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والخدمات. غير أن هذا الفهم، رغم أهميته التاريخية، لم يعد كافيًا لتفسير الفروق في الأداء الاقتصادي بين دول نجحت في التنويع وأخرى أخفقت، رغم تشابه هياكلها القطاعية الظاهرية. وقد بيّنت دراسات لاحقة أن جوهر التنويع لا يكمن في عدد القطاعات، بل في طبيعة الأنشطة داخلها، ومستوى التعقيد الاقتصادي، والروابط الإنتاجية بينها (Hausmann & Hidalgo, 2011).

من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التنويع الاقتصادي بوصفه عملية تهدف إلى رفع مستوى التعقيد في بنية الاقتصاد، أي زيادة تنوع المنتجات والخدمات التي يستطيع الاقتصاد إنتاجها بكفاءة، بالاستناد إلى قاعدة معرفية ومهارية متنامية. ويعني ذلك أن الاقتصاد المتنوع ليس بالضرورة الاقتصاد الذي ينتج كل شيء، بل الاقتصاد القادر على الانتقال التدريجي نحو أنشطة أكثر تعقيدًا وقيمة مضافة، مع توسيع قاعدة الصادرات وتقليل تركزها السلعي والجغرافي.

استنادًا إلى ذلك، يمكن اقتراح تعريف علمي متكامل للتنويع الاقتصادي على النحو الآتي: التنويع الاقتصادي هو عملية تحول هيكلي مخططة وطويلة الأمد، تهدف إلى إعادة توزيع مصادر النمو والدخل داخل الاقتصاد الوطني عبر توسيع وتعميق القاعدة الإنتاجية، ورفع مستوى التعقيد الاقتصادي، وتعزيز الروابط بين القطاعات، بما يقلل من الاعتماد على مصدر واحد للدخل، ويزيد القدرة على تحقيق نمو مستدام والاستجابة للصدمات الخارجية. يجمع هذا التعريف بين البعد الهيكلي، والبعد الإنتاجي، والبعد المؤسسي، ويضع التنويع في سياقه الاستراتيجي لا بوصفه إجراءً ظرفيًا.

التحديات التي تواجه الدول النامية عند ربط سياساتها الاقتصادية بالتنويع الاقتصادي (صياغة موسّعة)

تواجه الدول النامية تحديات مركبة عند تبنّي التنويع الاقتصادي بوصفه إطارًا موجّهًا لسياساتها الاقتصادية، وهي تحديات تتجاوز النطاق الفني لتطال البنية العميقة للاقتصاد والدولة والمجتمع. فالتنويع الاقتصادي ليس إجراءً تقنيًا يمكن تحقيقه عبر قرارات قصيرة الأجل، بل هو عملية تحول هيكلي طويلة الأمد تتطلب إعادة تشكيل أنماط الإنتاج، وآليات توزيع الموارد، وأدوار الفاعلين الاقتصاديين.

يتمثل التحدي الأول في الطبيعة الريعية للهياكل الاقتصادية السائدة في كثير من الدول النامية. فالاعتماد المفرط على مورد طبيعي واحد أو قطاع محدود يولّد أنماطًا من السلوك الاقتصادي والسياسي تُضعف الحوافز نحو بناء قاعدة إنتاجية متنوعة. ويؤدي هذا النمط إلى نشوء تحالفات مصالح تستفيد من الوضع القائم، وتقاوم أي تغيير قد يهدد مصادر الريع ( (Beblawi & Luciani, 1987؛ Ross, 2012). وفي هذا السياق، يصبح التنويع الاقتصادي مشروعًا يصطدم ببنية مصالح قائمة، لا مجرد مسألة كفاءة اقتصادية.

أما التحدي الثاني، فيتعلق بضعف رأس المال البشري والفجوة المهارية. فالتنويع يفترض قدرة الاقتصاد على توليد أنشطة جديدة أكثر تعقيدًا، وهو ما يتطلب قوة عمل تمتلك مهارات تقنية وتحليلية وتنظيمية متقدمة. غير أن العديد من الدول النامية تعاني من نظم تعليمية غير متوائمة مع متطلبات التحول الهيكلي، ما يحدّ من قدرة الاقتصاد على الانتقال إلى قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى (World Bank, 2018). ويؤدي ذلك إلى ما يشبه الحلقة المفرغة، حيث يظل ضعف المهارات عائقًا أمام التنويع، ويؤدي غياب التنويع بدوره إلى استمرار ضعف الطلب على المهارات المتقدمة.

ويبرز التحدي المؤسسي بوصفه من أكثر العوامل حساسية في مسار التنويع الاقتصادي. فغياب التنسيق بين السياسات المالية والصناعية والتجارية، وضعف القدرة التنفيذية للمؤسسات العامة، وعدم استقرار الأطر التنظيمية، كلها عوامل تقلل من مصداقية استراتيجيات التنويع. وتشير الأدبيات المقارنة إلى أن الدول التي فشلت في تحقيق التنويع لم تكن تفتقر إلى الخطط أو الرؤى، بقدر ما افتقرت إلى مؤسسات قادرة على تنفيذ هذه الخطط وضمان استمراريتها (Acemoglu & Robinson, 2012).

كما يشكل التحدي المالي عائقًا رئيسيًا أمام ربط السياسات الاقتصادية بالتنويع. فالأنشطة الجديدة التي يتطلبها التحول الهيكلي تحتاج إلى تمويل طويل الأجل وتحمل لمخاطر مرتفعة نسبيًا، في حين تميل الأنظمة المصرفية في الدول النامية إلى تفضيل القطاعات قصيرة الأجل أو منخفضة المخاطر. ويؤدي هذا الاختلال في تخصيص الائتمان إلى استمرار هيمنة الأنشطة التقليدية، ويقوض قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو القطاعات المستهدفة (IMF, 2020).

خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z