حسين الراوي
في عام 1954، أجرى العالمان جيمس أولدز وبيتر ميلنر تجربة علمية أصبحت لاحقًا من أشهر التجارب في دراسة الدماغ والسلوك. كان أولدز عالمًا أميركيًا متخصصًا في علم النفس وعلم الأعصاب، فيما كان ميلنر عالمًا بريطانيًا- كنديًا في علم الأعصاب. أُجريت التجربة في مختبر جامعة ماكغيل بمدينة مونتريال الكندية، وهي جامعة بحثية عريقة عُرفت بريادتها في أبحاث العلوم العصبية.
هدفت التجربة إلى فهم أثر اللذة في توجيه السلوك. وُضع فأر داخل قفص مخصص للمُلاحظة، قفص عادي لا ينقصه طعام ولا ماء، ولا يحتوي ما يثير الخوف أو الضغط. غير أن ما ميّزه وجود زر صغير مثبت في أحد الجوانب؛ زر لا يحمل دلالة ظاهرة ولا يوحي بوظيفته.
في لحظة عابرة، لمس الفأر ذلك الزر. لم يتعرض لألم، ولم تصبه صدمة مؤذية، بل شعر بومضة من اللذة؛ إحساس قصير ومباشر، لكنه كان واضحًا وقويًا بما يكفي ليترك أثرًا عميقًا. منذ تلك اللحظة أصبح الدافع مكشوفًا: اللذة هي ما يُريده الفأر، ولا شيء سواها.
بدأ يعود إلى الزر دون تردد. كان يضغطه لأنه يمنحه ذلك الإحساس المرغوب. ومع التكرار المتواصل، صار الزر أكثر ما يجذب انتباهه داخل القفص، ثم تحوّل إلى مركز اهتمامه. تراجع الطعام والماء في سلّم أولوياته، وحلّت محلّهما تلك اللحظة السريعة التي يحصل عليها كلما ضغط الزر.
كان الفأر يضغط مرة بعد أخرى دون شعور بالخطأ. كان يحصل على لذة، وهذا كان كافيًا. ومع مرور الوقت، أصبح التوقف صعبًا؛ لم يعد الضغط مجرد خيار، بل تحوّل إلى عادة، ثم إلى حاجة ملحّة. كان الزر يمنحه إحساسًا فوريًا، لكنه في المقابل كان يسلبه تركيزه وقوته وقدرته على الانصراف عنه.
راقب العلماء المشهد بدقة. رأوا كيف يمكن لإحساسٍ مصطنع وقصير أن يتغلب على الغرائز الأساسية، وكيف يمكن لكائن حي أن يفضّل لذة لحظية على ما يحفظ بقاءه. لم يكن الفأر مجبرًا، ولم يكن مُعاقَبًا، بل كان يختار؛ غير أن اختياره كان محكومًا بما يمنحه ذلك الزر.
لم تبهت اللذة، بل ظل يسعى إليها حتى آخر لحظة، يضغط الزر بإصرار رغم ضعف جسده وتناقص قدرته على الاحتمال. كانت لذة تمنحه ومضات متكررة، لكنها لا تمنحه شبعًا، ولا تضع حدًا يقف عنده.
وهكذا، لا تقف دلالة هذه التجربة عند حدود فأر في قفص، بل تمتد لتلامس جوهر الإنسان نفسه. فالإنسان الذي لا ينتبه لذاته، ولا يميّز بين ما ينفعه وما يستنزفه، قد يتحوّل تدريجيًا إلى نسخة بشرية من فأر التجربة؛ يلاحق لذّة عابرة، ويكرّر الفعل ذاته، معتقدًا أنه يختار بحرّيته، بينما هو في الحقيقة يخسر في كل مرة أكثر مما يكسب. يخسر وعيه، ثم توازنه، ثم صحته، وقد تمتد الخسارة إلى سمعته ومعنى حياته ذاته. إن الانغماس الأعمى في اللذات الزائفة لا يمنح الإنسان شبعًا ولا خلاصًا، بل يقوده، خطوة بعد أخرى، إلى دائرة من الخسارات المتراكمة، حتى يجد نفسه عاجزًا عن التوقف، تمامًا كما انتهى ذلك الفأر الذي اختار اللذة وترك كل ما سواها.
