عباس المسكري
الحرية ليست شعارًا يُرفع على جدارٍ باهت، بل هي نورٌ يتفجّر من أعماق الروح، كما ينبع الذل والعبودية من قلبٍ منكسرٍ مستسلم، ومن أختار أن يعيش بعزّة وكرامة، فقد اختار الحياة بكل إشراقها وامتدادها، ومن رضي بالذل، فقد أختار عبودية الواقع، ودفن نفسه في ظلامٍ لا يزول، والإنسان دائمًا أمام مفترق طرق، وخيار الحرية وحده هو الذي يكتب له مصيره، ويهدي قلبه سلامًا لا يُشترى، ويمنحه أفقًا لا يُحجب.
إسرائيل لم تكن يومًا مصدر أمان، بل كانت وما زالت مصدرًا للحروب والاحتلال والدمار والتهجير، وهي نارٌ أُضرمت في جسد المنطقة، وجرحٌ مفتوح في قلب الأمة، وليلٌ طويلٌ يثقل على العيون، ومن يروّج لفكرة أن الأمن مرهون بأمنها، يقرأ التاريخ بعينٍ مغمضة، ويغض الطرف عن الحاضر، وينكر كرامة الشعوب وقيمتها، كمن يزيّف الشمس ويزعم أن الليل أبدي، أو كمن يزرع شوكًا ثم يتوقع أن يحصد وردًا.
إسرائيل ليست أمرًا واقعًا، ويُبارك أو يُحتفى به، بل واقعٌ فُرض بالقوة والقتل والتهجير، وما فُرض بالقوة لا يتحوّل إلى حق، مهما طال الزمن أو تغيّرت الموازين، فالشرعية الحقيقية لا تولد من فوهة بندقية، ولا من دبابةٍ تجتاح المدن، بل من الحق والعدل، من دمعة أمٍّ صابرة، ومن صمود طفلٍ يرفع حجارةً في وجه الطغيان، ومن جذور شجرةٍ تضرب في الأرض لتعلن أن الحق لا يموت.
أما من يلوّح بأن الأمن لن يكون إلا إذا كانت إسرائيل آمنة، فهو يردد نغمةً قديمةً مهترئة، لا تخيف إلا من فقد ثقته بنفسه، ولا تنطلي إلا على من أعتاد الانحياز للأقوى على حساب الحق، وتلك النغمة أشبه بجرسٍ صدئ يرنّ في فراغ، بينما صوت الحق يظل كالأذان لا يخفت، وكالريح لا تُحبس، وكالفجر لا يُؤجل.
الأحرار لا يأبهون بأمن إسرائيل، لأن أمنهم الحقيقي يبدأ من تحرير إرادتهم، وحماية أوطانهم، ونصرة المظلوم، ولا يبدأ بحراسة كيانٍ محتل ولا بتبرير جرائمه باسم الواقعية السياسية، والأمن ليس في ظلّ الاحتلال، بل في ظلّ الحرية، وليس في حماية المعتدي، بل في حماية الأرض والعرض والكرامة، فالأمن حصنٌ يبنيه الأحرار، لا سورٌ يحرسه المحتل، وطمأنينةٌ تنبع من صدورٍ واثقة، لا من اتفاقيات تُكتب تحت تهديد السلاح.
فلتصنع ما شأت من تماثيل ورموز في حارتك، فمن أعتاد الركوع لغير الله يعشق التماثيل ويتباهى بها، ومن تعوّد عيشة الذل يخشى حتى من ظله، ولكن اعلم أن في قلوب الملايين قُبّةً من نورٍ لا تنطفئ، وفي ضمائرهم منبر يصدح باسم فلسطين، وفي وعيهم حقيقةً لا يبدّدها الزمن، وأن الاحتلال زائل كغبار الريح، وأن الكرامة تاجٌ لا يُباع، وأن الشعوب لا تُهزم بخطابٍ مُطبّع ولا بتهديدٍ متآكل، ما دام في صدورهم نفسٌ يتردّد، وفي عيونهم أفقٌ يتّسع، وفي وجدانهم وعدٌ لا ينكسر.
