الظلم مرآة سوداء

 

 

أنيسة الهوتية

كثيرًا ما نجد مُجتمعات تشكو القسوة والظلم من قياداتها، وكأن الظلم العام ظاهرةً تهبط فجأة من أعلى، والواقع أنها تنبت من جذور عميقة في النفوس والسلوك، وهكذا أخبرنا القرآن الكريم، والتجارب التاريخية.

وبقراءة أعمق، فإنَّ الظلم حين يستقر في النفوس ويتحوّل إلى مُمارسة يومية صامتة دون رفض ضميري، فإنه ينعكس حكمًا ومصيرًا قاسيًا يطابقه في الجوهر، وإن اختلف في المظهر.

يقول الله تعالى: ﴿وكذلك نُولّي بعضَ الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون﴾ (الأنعام: 129). وهذه الآية ليست تبريرًا للظلم، بل توصيفًا لسنّة أخلاقية: حين يشيع الظلم، يُدار المجتمع بمنطقه، لأن للأفعال طاقات تدور وتحوم حول مركزها ثم ترتد ساقطة كمثل نيزك يرتطم بالأرض.

وهذا منهج الناس لأنفسهم؛ حين يقبلون بالجور في دوائرهم الصغيرة ويتسترون على الظلمة، تُرفع عنهم الحماية، ويُسلَّط عليهم الظلم في الدوائر الكبرى، فيتسع نطاق الأذى ويخرج عن السيطرة.

وليس المقصود أن كل فرد ظالم، ولكن حين تعم طاقة الظلم، تشيع وتكبر وتشمل الجميع، وتعمل بنظام منظومة واحدة متسلسلة كمثل الصفعة الظالمة التي تأتي من يد صغيرة، وتدور بين الأيادي والوجوه إلى أن تأتي إلى الظالم نفسه من يد أكبر.

وقال تعالى: ﴿إن الله لا يُغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد: 11)؛ أي أن من لا يتحمل الظلم عليه ألا يظلم، فالتغيير الواقعي يبدأ من الداخل، لا من استبدال الوجوه والأشخاص ولا تبديل الشعارات.

والمفارقة المؤلمة في تأملات الواقع الاجتماعي، أننا نجد الكثير ممن يشتكي قلة الرزق، وشح الموارد، وظلم المسؤولين، وتعقيد الإجراءات، بينما تُمارَس داخل بيوتهم أشكال قمع لا تقل خطرًا: سرقات، نهب، نميمة، غيبة، ومواريث تُؤكل، وأقوياء يفرضون سطوتهم باسم القرابة أو "المصلحة". وحين يُطالب المظلوم بالعدل، يُعاقَب بالمقاطعة من أقاربه وكأنه إسرائيل والبقية من أنصار فلسطين المحتلة، والعكس صحيح.

والأمر حين يتم التستر على انتهاكات قد تسببت بمرض نفسي لبعض الأطفال حتى كبروا، من اعتداءات وتحرش، وهتك الأعراض من المحارم المؤتمن عليهم من داخل نطاق العائلة، ثم فرض الصمت على الضحية باسم الستر، وحتى لا "تتفكك" العائلة، وكأن الكرامة أقل شأنًا من الصورة الاجتماعية.

وهذا الصمت ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة. والمجتمع المتعفن الذي يطبّع مع هذا الظلم لا يملك شرعية المطالبة بعدالة شاملة في حقوقه، لأنه ساهم في صناعة القسوة التي يشكو منها.

وهذا يذكرني بمقولة: «كما تكونوا يُولّى عليكم»، وهي ليست حديثًا ثابتًا، لكن معناها تشهد له النصوص والتجارب التاريخية؛ فقانون الكون يعمل داخل بيئة تحدد سقف القبول والرفض، وهذا ما يتوقعه الظلمة حين يكون الظلم "شأنًا خاصًا" إذا مارسوه، و"قضية عامة" إذا مُورِسَ عليهم.

وعليهم أن يعلموا أن الناس الذين يظلمون أنفسهم لا يعيشون رفاهًا حقيقيًا؛ فالرفاه ليس مالًا فقط، بل أمانًا وعدلًا. ولا يحق لمن يمارس الظلم ويتستر عليه أن يرتدي قناع المظلومية، أو أن يرفع علم فلسطين مطالباً بالتحرير مبتدعا الإنسانية التي لا يمتلكها أصلًا.

وللإنسانية رسالة واحدة: العدل لا يتجزأ. ومن أراد رفع الظلم عن نفسه، عليه أن يرفع ظلمه عن الناس. وأن يحرر ضحاياه من آلامهم أولًا، ويواجه نفسه ويرد المظالم إلى أهلها، ويستغفر ربه ويتوب إليه.

وإلّا فإنَّ المرآة السوداء لا تُميِّز التفاصيل الدقيقة ولا الملامح؛ بل تعكس سوادها للجميع، مدينة إياهم كمثل النار التي تحرق الأخضر واليابس معًا.

الأكثر قراءة

z