شمسة الريامية
في مساءٍ هادئ كانت ليلى تتجوّل في أحد المراكز التجارية، تستعيد شيئًا من خفّة الأيام، ولم تكن تتوقع أن تقع عيناها على وجهٍ افتقدته طويلًا وهو وجه أميرة، زميلتها في العمل سابقًا، التي كانت تملأ الممرات بابتسامتها الهادئة.
تعانقتا كأنَّ الغياب لم يطُل، وتبادلتا حديثًا دافئًا عن الذكريات والعمل والسنوات التي تركت بصمتها على كل شيء، لكن ما إن تطرّقتا إلى أخبار الوظيفة، حتى انطفأت ملامح أميرة قليلًا، كشمعة قاومت الريح طويلًا.
قالت بصوت خافت، كمن يبوح بسر ظلّ حبيسًا: "تدركين… مرّت عشر سنوات يا ليلى، عشر سنوات ولم أحصل على ترقية واحدة، وعندما حصلت عليها، لم تتجاوز الزيادة في راتبي سوى أربعين ريالًا فقط! وبعدها أطلقت سؤالًا جوهريًا: ما ذنب الموظف الحكومي الذي يعمل بإخلاص؟ لماذا يتحمّل سنواتٍ بلا حوافز، بلا تقدير… بلا نافذة أمل؟".
نظرت إليها ليلى طويلًا لا بدهشة، بل بألمٍ تعرفه جيدًا. فكم من قلوبٍ تُهدر في صمت المؤسسات، وكم من أحلامٍ تُدفن تحت ركام الروتين!
كانت أميرة تتحدث وهي تشدّ على حقيبتها، كأنَّها تتمسك بآخر ما تبقّى من صبرها.
قالت: أنا لا أطلب الكثير… فقط أن يُرى جهدي، أن أشعر أنَّ سنوات حياتي لم تمرّ هباءً".
تأمَّلت ليلى صديقتها أميرة، ورأت فيها كل الموظفين المخلصين الذين يمضون أعمارهم بين المكاتب، لا يطلبون مجدًا ولا شهرة، بل قليلًا من العدل، وقليلًا من الامتنان.
قبل تطبيق نظام «إجادة»، كان الموظف المجتهد والمتقاعس يحصلان على المستوى نفسه من الترقيات؛ إذ لم يكن التمييز مبنيًا على الأداء الفعلي، ما جعل الجميع في كفة واحدة دون مُراعاة للجهد المبذول.
ومع استحداث نظام «إجادة»، كان الأمل أن يُعالج هذا الخلل ويُعزز ثقافة الأداء إلّا أن العديد من الموظفين عبّروا عن استيائهم، مشيرين إلى وجود تلاعب في قوائم المجيدين. فأصبح الموظف يشعر بأنَّ النظام لم يحقق الهدف المرجو منه بالكامل، وأن العدالة في تقييم الأداء ما زالت محل نقاش.
ولا يختلف الحال كثيرًا في القطاع الخاص؛ فمع أن هناك مؤسسات تُقدّر الأداء فعليًا، إلا أن جانبًا من الترقيات- وليس جميعها- ما زال يخضع لرغبة المدير أو تقييمه الشخصي، لا لمستوى الجهد أو الالتزام الذي يبذله الموظف.
إنَّ مراجعة معايير وآليات التقييم في المؤسسات الحكومية والخاصة بات أمرًا ضروريًا لضمان العدالة الوظيفية. فالموظف المجتهد يستحق التقدير والترقية العادلة، بينما يجدر أن يخضع الموظف غير المُلتزم والمُهمل والمتذمّر للمساءلة، حفاظًا على بيئة عمل صحية ومُنتِجة.
العدالة في التقييم لا تُحسِّن أداء المؤسسات فحسب، بل ترفع الروح المعنوية وتُرسِّخ ثقافة العمل القائم على الكفاءة والإخلاص.
