دروس من "يوم التحرير التجاري"

الرسوم الجمركية الأمريكية تهز أسواق المال العالمية

...
...

 

د. سامي بن سالم الخروصي

أستاذ مشارك بقسم الاقتصاد والمالية بجامعة السلطان قابوس

 

د. أحمد وصال الرخ

أستاذ مساعد بقسم الاقتصاد والمالية بجامعة السلطان قابوس

 

في الثاني من أبريل 2025، الأسواق المالية العالمية تلقت ضربة ما كانت في الحسبان. الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت فجأةً عن فرض رسوم جمركية متبادلة على كل الواردات، فيما صار يُعرف بـ"يوم التحرير التجاري". القرار شمل تعرفة أساسية 10% على أغلب الدول، ورفعها أعلى لبعض الدول الأخرى. لم يكن مجرد إجراء اقتصادي عادي، بل تحول بسرعة إلى اختبار حقيقي لقدرة الأسواق العالمية على الصمود.

في يناير 2026، نشرت مجلة دراسات في علوم الاقتصاد والمالية (Studies in Economics and Finance) ورقة بحثية حللت هذا الحدث، وقدمت واحدة من أكبر الدراسات حول كيف تفاعلت أسواق الأسهم العالمية مع هذه الصدمة المفاجئة، التي مسَّت 77 دولة في يوم واحد.

خسائر حادة تقريبًا بلا استثناء

نتائج الدراسة واضحة: أغلب أسواق الأسهم حول العالم سجلت خسائر كبيرة خلال الأيام القليلة بعد الإعلان. في بعض الدول، الانخفاضات التراكمية تجاوزت 15% في خمسة أيام تداول فقط. حتى السوق الأمريكية لم تسلم، حيث هبط مؤشر ستاندرد آند بورز 500 أكثر من 10% في نفس الفترة. وهذا يعكس أن المستثمرين فهموا أن كلفة الحماية التجارية لا تقع فقط على الشركاء، بل ترتد أيضًا على الاقتصاد الأمريكي نفسه.

الغريب أن الأسواق لم تتفاعل فورًا يوم الإعلان، غالبًا بسبب اختلاف التوقيت بين البورصات العالمية. لكن اليوم التالي جاء بموجة بيع واسعة، وأظهر كيف تنتقل الأخبار بسرعة ويتفاعل معها المستثمرون حول العالم.

هل الرسوم الأعلى تعني بالضرورة خسائر أكبر؟ ليس دائمًا!

الدراسة خرجت بنتيجة غير متوقعة؛ حيث إن الدول التي فُرضت عليها رسوم جمركية أعلى من 10% لم تكن دائمًا الأكثر تضررًا. بمعنى آخر، الأسواق لم تتعامل مع القرار كتغيير فني في النسب فقط، بل اعتبرته صدمة سياسية خلقت حالة من عدم اليقين. وضوح السياسة المستقبلية كان أهم من حجم الرسوم نفسه.

مدى الارتباط بالاقتصاد الأمريكي… فارق كبير

الدراسة أوضحت أن حجم خسائر كل سوق يعتمد كثيرًا على علاقتها بالاقتصاد الأمريكي. الدول المتقدمة، خصوصًا التي لديها شركات مدرجة في الأسواق الأمريكية أو تعتمد على سلاسل إمداد مرتبطة بالولايات المتحدة، كانت الأكثر تضررًا. بعض الأسواق الناشئة أو الصغيرة أظهرت مرونة نسبية، سواء بسبب ضعف اندماجها المالي أو لأنها مرت سابقًا بصدمات مشابهة.

الصدمة كانت قوية… لكن الأثر المباشر مؤقت

رغم الانخفاض الحاد في البداية، كثير من الأسواق بدأت تتعافى جزئيًا خلال الأسابيع التالية. التأثير المالي كان قوي لكنه لم يدم طويلًا. لكن الرسالة التي تلقاها المستثمرون كانت واضحة: أي قرار تجاري مفاجئ يمكنه إعادة تسعير المخاطر بشكل واسع في أيام قليلة.

ماذا نستفيد من كل هذا؟

لصناع السياسات: ينبغي الفهم بأن القرارات التجارية الأحادية الجانب، حتى لو كانت سياسية أو رمزية، قادرة على إحداث فوضى مالية كبيرة. الشفافية والتدرج في الإعلان عن السياسات يساعدان في تقليل الصدمات غير الضرورية.

وللمستثمرين ومديري المحافظ: يجب أن يدركوا أن متابعة السياسة التجارية أصبحت جزء لا يتجزأ من إدارة المخاطر قصيرة الأجل، وأهميتها لا تقل عن المؤشرات الاقتصادية التقليدية.

وأما للدول النامية والناشئة، فإن تنويع الشركاء التجاريين وتقوية الأسواق المحلية يخففان من أثر الصدمات القادمة من الاقتصادات الكبرى.

وللباحثين والجهات الرقابية، يكمن القول إنه لا تزال هناك حاجة لدراسات أعمق حول كيف تنتقل الصدمات التجارية عبر الأسواق المالية والشركات الدولية.

باختصار.. تجربة "يوم التحرير التجاري" أثبتت أن الأسواق اليوم شديدة الحساسية لأي قرار سياسي مفاجئ، وأن أثر الحماية التجارية لا يقاس فقط بنسبة الرسوم بل بكمية الغموض التي تخلقها. وفي عالم مترابط ماليًا بهذا الشكل، كل خطوة يتخذها اقتصاد بحجم الولايات المتحدة تلقى صداها فورًا في كل مكان.

 

*******

مرجع الورقة البحثية:

Al-Kharusi, S., & Elroukh, A. W. (2026). Trump Liberation Day tariffs and stock market reactions: new insights from global analysis. Studies in Economics and Finance, 1-21.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z