"مراسيم 12 يناير".. إعادة حوكمة للمستقبل في عُمان

 

 

 

د. سعود بن محمد الفارسي

 

في لحظات التَّحول الكبرى، لا تُقاس أهمية القرارات بما تُحدثه من ضجيج، بل بما تُعيد ترتيبه في عمق الدولة. والمراسيم السلطانية التي صدرت في 12 يناير 2026 تمثل، في هذا السياق، واحدة من تلك اللحظات الفارقة التي لا تعكس تعديلات إدارية فحسب، بل تشير إلى إعادة تصميم هادئة لبنية الدولة المؤسسية نفسها. فما جرى لا يمكن قراءته بوصفه دمجًا لجهات أو استحداثًا لمناصب، بقدر ما هو انتقال من نموذج حكومي تقليدي إلى نموذج أكثر نظاميةً وانضباطًا، تُبنى فيه المُؤسسات على أساس الترابط لا الفصل، وعلى أساس الأثر لا الشكل.

ومن أكثر ملامح هذا التحول دلالة، ما طال منظومة التعليم؛ فدمج التعليم المدرسي والتعليم العالي في إطار واحد يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الاقتصاد المعرفي الذي تراهن عليه الدول الحديثة. فلم يعد مقبولًا أن تعمل المدارس بمعزل عن الجامعات، أو أن تُدار الجامعات بمعزل عن احتياجات سوق العمل والابتكار. فالتعليم اليوم هو رحلة واحدة متصلة، تبدأ من الصفوف الدراسية، وتمر عبر البحث العلمي، وتنتهي في فضاء الإنتاج والمعرفة. وفي هذا السياق، لا يكون الدمج تقليصًا للهياكل المؤسسية أو لعدد المؤسسات، بل توسيعًا لأفق الرؤية، بما يُتيح مواءمة المناهج مع متطلبات التعليم العالي، وربط مخرجات التعليم بحاجات الاقتصاد، وبناء مسارات مهارية متصلة منذ المراحل المبكرة. وبهذا تتحول الوزارة الجديدة من مجرد وحدة إدارية إلى منظومة وطنية لإنتاج رأس مال بشري قادر على خدمة رؤية طويلة المدى كرؤية "عُمان 2040".

وفي عالم أصبحت فيه التنافسية الاقتصادية محددًا رئيسيًا لمكانة الدول، لم يعد الاقتصاد مجرد قطاع بين القطاعات، بل أصبح اللغة التي تُترجم عبرها السياسات كافة وتخدمها مختلف القطاعات، ومن هنا تأتي أهمية ايجاد كيان مستقل يُعنى بشكل جوهري بالبحث العلمي والابتكار بمعناه الواسع كونه مرتبطاً بجميع القطاعات في الدولة لا سيما تلك التي تخدم الاقتصاد، ناهيك عن أهمية وجود قيادة اقتصادية عليا في قلب الحكومة متمثلة بمنصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بما يسمح بتوحيد القرار المالي والاستثماري، وتقليص التنازع بين الجهات، وربط التخطيط اليومي بالرؤية الاستراتيجية. بهذا المعنى، تنتقل الدولة من إدارة ملفات اقتصادية متفرقة إلى إدارة منظومة اقتصادية متكاملة، قادرة على حماية استمرارية الرؤية وتحويلها إلى نتائج قابلة للقياس، وهو تحول جوهري في فلسفة إدارة الدولة.

ويتقاطع هذا المنطق نفسه مع ما تشهده منظومة الإدارة المحلية، ولا سيما في ما يتعلق بأهمية تطوير المنظومة، وتعيين القيادات القادرة على تحقيق ذلك، ففي نماذج الحوكمة الحديثة، لا تُدار المدن والمحافظات من المؤسسات المركزية في العاصمة، بل تتحول إلى وحدات سياسات فاعلة قادرة على التخطيط والاستثمار وتقديم الخدمات بكفاءة وسرعة.

والعاصمة، بحكم ثقلها السكاني والاقتصادي، تصبح في هذا الإطار مختبرًا حيًا لتطوير نماذج جديدة في التخطيط الحضري، والاستثمار المحلي، وجودة الحياة، والشراكة مع القطاع الخاص. وهذا يعكس انتقال الدولة من مركزية القرار إلى توزيع القدرة على الفعل، وهو جوهر اللامركزية التنفيذية التي تقوم عليها الدول الحديثة.

وبالنظر إلى هذه التحولات مجتمعة، يتضح أن ما تكشفه مراسيم 12 يناير 2026 ليس مجرد تغيير في الهياكل والأسماء؛ بل انتقال في العقيدة الإدارية للدولة، من دولة تدير وحدات إدارية إلى دولة تبني منظومات، ومن فصل وتشتت في الاختصاصات إلى ربط سلاسل القيمة، ومن إدارة الحاضر إلى تصميم المستقبل. ويتجلى هذا التحول بوضوح في الاتجاه نحو إنشاء كيانات ذات استقلال مالي وتشريعي، مثل المركز المالي العالمي، في إشارة إلى إدراك مُتزايد بأن بعض القطاعات الاستراتيجية لا يمكن إدارتها بالطرق التقليدية، بل تحتاج إلى أطر حوكمة أكثر مرونة وقدرة على المُنافسة العالمية.

وفي عالم يتسارع فيه التنافس بين الدول على المعرفة والاستثمار والموهبة، تصبح الحوكمة الذكية شكلًا من أشكال السيادة. فالدولة التي تعرف كيف تُعيد تنظيم نفسها بجرأة وهدوء، هي الدولة الأقدر على حماية موقعها وبناء مستقبلها. وفي هذا المعنى، لا تمثل مراسيم 12 يناير 2026 مجرد صفحة في سجل التطوير الإداري، بل فصلًا في قصة دولة تعيد هندسة نفسها لمستقبل أكثر إشراقًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z