المال والسعادة

 

 

 

مدرين المكتومية

التوازن من أكثر المُفردات حضورًا وتأثيرًا في حياة الإنسان، وهي كلمة دائمًا ما نسمعها نرددها دون أن نعي أهميتها الفعلية؛ ففي كثير من الأحيان تأتي مع سياق الحديث أو عند التحاور في موضوع بعينه، هي كلمة سهلة جدا في النطق والتعامل بها ولكنها أيضاً هي الأكثر غيابًا في ممارساتنا اليومية.

وقضية التوازن ليست مجرد كلمات وشعارات نرفعها، ولا هي رؤية فلسفية للتنظير وحسب؛ بل إنها أسلوب حياة متكامل إذا ما استطعنا أن نُحسن تطبيقه، ويمكن لأثره أن ينعكس على استقرارانا الاجتماعي وراحتنا النفسية ويبعدنا عن الانهيار أو الشعور بالخسارة والضعف.

قد تبدو معادلة التوازن بسيطة في ظاهرها كما يبدو للجميع وهي أن تتمكن من إعطاء كل جانب من حياتك حقه دون إفراط وتفريط ودون طغيان في أمر بعينه، إلا أن الحقيقة مختلفة تماماً عندما نأتي للتطبيق فنكتشف أن هذه المعادلة ليست سهلة لدى الكثيرين، خاصة وأننا نعيش في ظل إيقاع حياة متسارع ويعيش أكثرنا تحت ضغوط كبيرة، خاصة وأن النجاحات فيه تقاس دائماً بلغة الأرقام والمكاسب المالية فقط.

صحيحٌ أن المال مهم جدًا في هذه الحياة ولكنه ليس كل شيء؛ فالتوازن بين المال والسعادة من أكثر النماذج التي يمكن أن تكشف عن عمق التحدي الذي تطرقنا له، فكما نعلم جميعًا أن المال ضرورة لا يمكن إنكارها أو التغاضي عن أهميته، لكنه في الوقت عينه، ليس غاية في حد ذاته؛ فالتركيز المُفرِط في البحث عن المال وجمعه على حساب العائلة والذات قد يحقق ربما إنجازًا في وقت ما ولكنه سيترك فراغاً عميقاً في وقت لاحق يصعب تعويضه، فإذا ضربنا المثل على الأشخاص مثلا الذين يصلون سن التقاعد، من اعتاد على أن الحياة عمل فقط قد يجد نفسه بعد ذلك فارغاً لا يملك شيئاً، فبمجرد أن تتوقف عجلة العمل التي أخذت منه عمره الكثير يجد نفسه يحارب الفراغ الذي سيقوده أحياناً للشعور بالإحباط والانكسار، فالإنسان في النهاية بحاجة لتنويع مصادر سعادته لكي لا يقف يومًا وحيدًا.

وفي المقابل إذا ما قام الشخص بإهمال التزاماته وعمله بدعوى البحث عن السعادة والراحة قد يجد نفسه يعيش في فوضى لا متناهية توصله في النهاية لعدم الاستقرار، فالحياة كما نعلم لا تدار بطرف واحد ولا تستقيم بالوحدانيات، والعيش بتطرف حاد، فالعمل والزواج والمسؤوليات الاجتماعية والتطلعات الشخصية والآمال والطموحات جميعها متداخلة مع بعضها البعض وبحاجة بشكل دائم إلى توزيع واعٍ وعادل للوقت والاهتمام والجهد، كما إننا نحتاج لتحديد أولويات تسهم في خلق مسيرة حياة متوزانة.

التوازن يعني أن نحب دون أن نخسر ذواتنا، وأن نعمل دون أن نُهمل أسرنا وأحباءنا، وأن نمارس هوايتنا ونقرأ ونكتب ونسافر ونستمتع بكل ما من شأنه تطوير مهارتنا وتحقيق سعادتنا، فلكل شيء وقته ولكل مرحلة متطلباتها التي يجب أن نقوم بها على أكمل وجه؛ فالحكمة تكمن دائماً في قدرتنا على إدراك التوقيت وعدم تجاوز المراحل بالقفز واستنزاف الذات تجاه أمر واحد دون غيره. كما إن الرضا بما في حدودنا وبين أيدينا ركيزة أساسية لتحقيق التوازن المنشود؛ فالإنسان غير الراضي يعيش بشكل دائم ومستمر في سباق لا نهاية له، في حين أن الرضا لا يعني أبدا التوقف عن تحقيق الذات والطموح؛ بل هو أننا استطعنا أن نقدر ما نمتلك ونسعى دائماً للأفضل.

ونهاية المطاف، يتعيَّن علينا أن نُدرك أن التوازن المنشود ليس حالة مثالية ودائمة، بل هي محاولة مستمرة للمُراجعة وتصحيح المسار، وهي الوعي اليومي بأنَّ الحياة أوسع وأرحب من أن نحصر أنفسنا في مكان واحد وفي البحث عن شيء واحد، والسعي نحو تحقيق أمر واحد، وأن الإنجاز فقط واحد، بل هو قدرتنا على أن نعيش كل شيء في وقت واحد ولكن بتوازن مُعيَّن، لا مليئة بالإفراط ولا مثقلة بالتقصير.

 

الأكثر قراءة

z