حسين الراوي
لا ينفصل الجهد المعرفي الذي ينهض به الأديب والباحث حامد باوزير عن حضوره الإنساني اللافت في اللقاءات المباشرة معه؛ فقد كان لقائي الأول والثاني مع أستاذنا أبي حسام في مقهى "لفته".
وفي كل مرة ألتقيه فيها، يبادرني بإهداء كتاب من مؤلفاته المُميزة بمواضيعها، وكأنَّ الكتاب عنده امتداد طبيعي للحوار لا خاتمته له. وكالعادة، ما إن تُمسك يدي بنسخة من أي كتاب حتى أشرع فورًا بتصفحها تصفحًا سريعًا، لكي أفهم بشكل عاجل الخطوط العريضة للكتاب. ومن ثم تقودني القراءة الخاطفة إلى أسئلة وتعليقات تتحوّل سريعًا إلى حوار حيّ وبلا قيود. وفي امتداد هذا الحوار، أجد أستاذنا أبا حسام يتبدّى فكره المتقد وروحه العالية ومزاجه الرائق، حيث إنه يمنح المعرفة بسخاء، ويشرح دون تكلّف، ويحوّل أي لقاء – مهما كان إيقاعه سريعًا أو ضجيجه عاليًا – إلى مساحة هادئة من الأنس والنور، اللذين يتركان أثرهما في الذاكرة.
ويأتي هذا الإهداء في سياق كتاب يحمل قيمة معرفية وثقافية خاصة، هو (ديوان شعر المقود: الموروث الشعري الزراعي في ظفار)، الذي يقدّم نموذجًا واضحًا لطريقة اشتغال حامد باوزير على الموروث الشعبي. فالكتاب لا يكتفي بجمع النصوص الشعرية، بل يفتح للقارئ أفقًا معرفيًا واسعًا، يبدأ فيه بتعريف مفصّل بعالم الزراعة في ظفار، وأنواع التربة، والمواسم، والنجوم، والمصطلحات المحلية المتداولة، ثم ينتقل إلى توثيق شعر المقود في سياقه الاجتماعي والوظيفي.

ويضم الكتاب إبداعات شعراء بارزين في الموروث الزراعي مثل: الشاعر علي بن سالم السرج، الشاعر عبد القوي العقيد اليافعي، الشاعر بالخضر، الشاعر عوض بن زايد النوبي (الغريب)، الشاعر بخيت القاضي، الشاعر مبروك بن بخيت، الشاعر فايل بن نصيب بن تروم، الشاعر عبد ربه بن جمعان، الشاعر جميل بن عجزون، الشاعر سعد الراعي، الشاعر أحمد بن سعيد المشيخي، الشاعر فتح بن سليم، الشاعر عوض بن مبروك الغزال، الشاعر فريجون، الشاعر ربيع بن عرفة، الشاعر سعد بن رعيدان، الشاعر رمضان بوسلاسل، الشاعر مَلْقُوط الشنفري، الشاعر جمعان ديوان، الشاعر جمعان بن سعد، الشاعر مسلم بن أسلم الشنفري، الشاعر جمعان بن عبد ربه، الشاعر أحمد بن سعيد بامزروع، الشاعر عبد الرب العنسي، وبعض الأبيات المجهول أصحابها، وأبيات شعرية أخرى في المقود أصبحت بعد ذلك دارجة بين الناس. وهذا يدل على تفاعل المجتمع الظفاري مع هذا التراث الشعري في حياتهم اليومية ويزيد من قيمة توثيق هذا الموروث.
ولا يمكن النظر إلى هذا الكتاب بمعزل عن مجمل الإنتاج الأدبي والمعرفي للباحث حامد باوزير، إذ يلحظ القارئ والمتتبع لمؤلفاته اهتمامًا عميقًا بتفاصيل الحياة اليومية وجوانب المعيشة في المجتمع الظفاري، في اشتغال يقترب بطبيعته من البحث الأنثروبولوجي القائم على المعايشة والملاحظة الدقيقة. فكتابات باوزير لا تتعامل مع الموروث بوصفه بقايا من الماضي، بل بوصفه ذاكرة حيّة مهددة بالنسيان، تسكن اللغة والعادات والتقاليد والمفردات التي بدأت تندثر مع تسارع التحولات الاجتماعية والمالية والعلمية الحديثة. ومن هنا تأتي أهمية مشروع حامد باوزير الثقافي؛ إذ أخذ على عاتقه مسؤولية حفظ هذا الموروث وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة، لا بروح الحنين وحدها، بل بوعي معرفي يدرك قيمة التوثيق وأثره في التمسك وصيانة الهوية الثقافية.
إن حامد باوزير، أنثروبولوجي يرصّد الطبيعة في أدق تفاصيلها، ويروي حكايات ظفار في أبهى صورها الإنسانية والثقافية. فمشروعه المعرفي والأدبي لا يقتصر فقط على توثيق الموروث، بل يُسهم في صيانة دورة الحياة الاجتماعية والثقافية في المجتمع الظفاري، ويمنح الأجيال الحديثة والمتعاقبة أدوات ذهبية لمعرفة وفهم جذورهم وهويتهم. في أعماله، يتحول الكتاب من مجموعة أوراق هامة إلى مرآة حيّة تعكس الأرض والإنسان معًا، ليظل حامد باوزير راويًا وحافظًا لذاكرة ظفار وناقلًا لموروثها الغني إلى المستقبل.
