د. غالية بنت عيسى الزبيدي
في زَمنٍ تُثقِلُهُ الضوضاءُ وتُرهِقُهُ المسافات، تَأتي السيدةُ الجليلةُ عهد بنت عبدالله البوسعيدية حرم جلالة السُّلطان المُعظم- حفظها الله ورعاها- بوصفِها إجابةً هادئةً عن سؤالٍ كبير: كيف يكونُ الحضورُ الإنسانيُّ سيادةً، وكيف يكونُ القُربُ أبلغَ من الأضواء؟
لا تتقدّمُ المشهدَ بوصفِها عنوانًا رسميًّا؛ بل بوصفِها معنى إنسانيًّا، فلا تدخل المكانَ بصورةٍ رسميّة، بل بروحٍ تعرفُ أنَّ الطمأنينةَ لا تُستأذَن، وأنَّ القلوبَ تُفتَحُ للصدقِ وحدَه.
السيدةُ عهد تُشبهُ الأمانَ حينَ يَجلسُ إلى جوارِ الطفولة، فلا يخافُ الحلمُ من الغد. في احتضانِها للأطفال، لا نرى مُجرّد رعاية؛ بل نقرأ وعدًا غيرَ مكتوبٍ بأنّ العالمَ يمكنُ أن يكونَ أقلَّ قسوة، وأكثرَ عدلًا. تَميلُ على الصغارِ كما تَميلُ الغيمةُ على العطش، لا تُفرِطُ في الحنان، ولا تُمسكُه؛ بل تُعطيه بميزانِ القلب.
وحين تَحضُرُ مع كبيرات القدْر تَعرفُ كيف تُعيدُ للعُمرِ وقارَه، وللتجاعيدِ معناها النبيل. لا تنظرُ إليهنّ من علوٍ، بل من جوارٍ صادق، كأنّها تُصغي إلى حكاياتٍ تعرفُها مسبقًا، وتحترمُ تعبَ السنين كما يُحترمُ التاريخ.
في هذا القرب، تستعيدُ الشيخوخةُ دفئها، ويشعرُ العمرُ أنّه لم يَكن عبئًا يومًا.
أما النساءُ، ففي حضورِ السيدةِ عهد لا يشعرن بأنّهنّ موضوعُ الخطاب، بل جوهرُه، لا تَرفعُهُنّ بالشعارات، بل بالاحترام والود والحضور البسيط، وبالإيمان العميق بأنّ المرأة حين تُحتَرم، يُحتَرمُ المجتمعُ كلُّه، بساطتها مع النساء تَكتبُ درسًا صامتًا في أنّ العظمةَ لا تحتاجُ إلى ارتفاع، بل إلى صدق.
رقّةُ إحساسِها ليست مشهدًا عابرًا، بل سلوكٌ متّصل بتواضعِها الذي لا يُعلَن، وفي بساطتِها التي لا تُصنَع، وفي قدرتِها النادرة على أن تكون قريبةً دونَ أن تَفقِدَ هيبتَها.
هي تشبهُ الماء: واضحٌ، صادقٌ، وحين يحتاجه الناسُ، يكونُ هناك.
في عُمان، حيثُ للإنسانِ مكانةٌ راسخة، تأتي السيدةُ الجليلةُ عهد امتدادًا ناعمًا لهذه القيم، وجهًا إنسانيًّا للقيادة، ورسالةً صامتةً بأنّ العظمةَ لا تُقاسُ بالمسافة، بل بما نتركه في القلوب.
لذلك، حين يُتداول اسمُها، لا يكونُ ترندًا عابرًا، بل لحظةَ اعترافٍ جماعيّ بأنّ الإنسانيّة، حين تَسكنُ القلوبُ الكبيرةُ، تُصبِحُ وطنًا جميلاً وجليلاً.
عهدُ الإنسانية تعلمنا أن السيادة ليست في البُعد، بل في القُرب، وليست العظمةُ في البروتوكول، بل في الاحتواء.
السيدةُ الجليلةُ "عهد" تَحضُرُ؛ حيثُ يحتاجُ الإنسانُ إلى إنسان.
إنّ حضور السيدة الجليلة عهد يُمثّل قيمةً إنسانيّةً راسخة، تُجسّدها في سلوكها اليوميّ، وقربها الصادق من مختلف فئات المجتمع؛ فهي نموذجٌ للقيادة الإنسانيّة التي تُؤمن بأنّ رعاية الطفولة، واحترام الكِبَر، وتمكين المرأة، ليست أدوارًا ثانويّة، بل جوهرُ الاستقرار الاجتماعيّ، وبمثل هذا الحضور المتواضع والعميق، تُسهم في ترسيخ صورةٍ مشرقة لقيم عُمان القائمة على الرحمة، والاحترام، والإنسان أولًا.
السيدةُ الجليلةُ عهد ليست اسمًا يُذكر؛ بل أثر يحس ويبرهن أن الإنسانيّة لا تُعلَن؛ بل تُعاش، وأنّ القُربَ أبلغُ من الخُطب، وأصدقُ من كلِّ بيان.
