التنويع الاقتصادي: دراسة علمية في تطور المفهوم والتطبيقات (1- 6)

 

 

 

عبيدلي العبيدلي **

 

مقدمة

تواجه المؤسسات الاقتصادية والنقدية، على المستويين الوطني والدولي، تحديًا متزايدًا يتمثل في إعادة تقييم النماذج الاقتصادية السائدة، في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالاعتماد على أنماط إنتاج أحادية أو محدودة التنوع. وقد أظهرت الأزمات الاقتصادية والمالية المتكررة، إلى جانب التقلبات الحادة في أسواق السلع والطاقة، أن الاقتصادات التي تقوم على مصدر واحد للدخل أو على قطاع مهيمن واحد تكون أكثر عرضة للصدمات، وأقل قدرة على تحقيق نمو مستدام أو استقرار اقتصادي طويل الأمد.

في هذا السياق، عاد مفهوم التنويع الاقتصادي ليحتل موقعًا مركزيًا في الخطاب الاقتصادي المعاصر، سواء في أدبيات البحث العلمي أو في سياسات المؤسسات الدولية والحكومات الوطنية. غير أن هذا الحضور المتزايد لم يقترن دائمًا بوضوح مفاهيمي أو بإجماع علمي حول ماهية التنويع الاقتصادي وحدوده وأدواته. فكثيرًا ما يُستخدم المصطلح بوصفه شعارًا عامًا أو هدفًا سياسيًا، دون أن يُدعّم بإطار نظري متكامل أو برؤية تطبيقية واضحة تراعي الفروق البنيوية بين الاقتصادات المتقدمة والنامية.

من صاغ مفهوم "التنويع الاقتصادي"

لا يمكن إرجاع مفهوم التنويع الاقتصادي إلى مفكر واحد، إذ تشكّل هذا المفهوم تدريجيًا عبر مسار طويل من تطور الفكر الاقتصادي، بوصفه استجابة نظرية وعملية لمشكلة الاعتماد المفرط على نشاط اقتصادي واحد.

على المستوى الاصطلاحي الدقيق، لا يوجد "مؤلف واحد" يمكن نسبُ صياغة مفهوم التنويع الاقتصادي إليه بصيغة نهائية مبكرة؛ لأن الفكرة ظهرت أولًا كمضمون ضمني داخل نظرية تقسيم العمل واتساع الأسواق لدى آدم سميث  (Smith, 1776)، ثم تعمّقت عبر نقاشات التخصص التجاري ومخاطر الاعتماد الأحادي في إطار الميزة النسبية  عند ديفيد ريكاردو (Ricardo, 1817). غير أن "التنويع" كخيار تنموي مقصود أخذ شكلًا أوضح بعد الحرب العالمية الثانية، مع نشوء اقتصاديات التنمية والتحول الهيكلي.

وقد أسهمت مدرسة "المركز والأطراف" في إبراز الحاجة إلى توسيع القاعدة الإنتاجية وكسر الاعتماد على صادرات أولية متقلبة؛ وهو ما يظهر في أطروحة بريبيش حول اختلال شروط التبادل (Prebisch, 1950)، وأطروحة سنغر في الاتجاه ذاته (Singer, 1950). ثم قدّم روزنشتاين-رودان تصور "الدفع الكبير"  لتجاوز مصائد التخلف (Rosenstein-Rodan, 1943)، بينما قدّم آرثر لويس نموذج التحول من قطاع منخفض الإنتاجية إلى قطاعات أعلى إنتاجية (Lewis, 1954)، وأبرز هيرشمان دور الروابط الخلفية والأمامية بين القطاعات  (Hirschman, 1958). ولاحقًا، ساهمت أعمال تشينري وزملائه حول التحول الهيكلي وأنماط التنمية في تحويل الفكرة إلى إطار تحليلي مؤسّس على المقارنة الدولية (Chenery & Syrquin, 1975).

بناءً عليه، فإن الإجابة العلمية الأدق هي أن التنويع الاقتصادي لم "يُخترَع" على يد اسم منفرد، بل تبلور عبر سلسلة من المساهمات الفكرية، ثم استقر كمفهوم سياساتي داخل تقارير المؤسسات الدولية، التي جعلته معيارًا لتقليل التركز السلعي وتعزيز المرونة الاقتصادية.  (  (UNCTAD, 2019؛ IMF, 2014؛ World Bank, 2020)..

لكن يُعد آدم سميث من أوائل من وضعوا الأسس النظرية التي مهدت لاحقًا لفكرة التنويع الاقتصادي، وذلك من خلال تحليله لتقسيم العمل واتساع السوق ودورهما في رفع الإنتاجية الاقتصادية (Smith, 1776). ففي  بدايات الفكر الاقتصادي الكلاسيكي، لم يُطرح التنويع الاقتصادي كمفهوم مستقل، بل ظهر ضمنيًا في إطار النقاش حول تقسيم العمل وتعدد الأنشطة الإنتاجية.

يُعد آدم سميث من أوائل من وضعوا الأسس النظرية التي مهدت لاحقًا لفكرة التنويع الاقتصادي، وذلك من خلال تحليله لتقسيم العمل، واتساع السوق، ودورهما في رفع الإنتاجية الاقتصادية (Smith, 1776) . غير أن سميث افترض أن قوى السوق الحرة كفيلة بإعادة توزيع الموارد بين القطاعات المختلفة، ولم يتناول مسألة التنويع بوصفها خيارًا استراتيجيًا تتبناه الدولة أو المجتمع.

لاحقًا، عزز ديفيد ريكاردو منطق التخصص من خلال نظريته في الميزة النسبية، التي شجعت الدول على التركيز على القطاعات التي تمتلك فيها كفاءة نسبية أعلى (Ricardo, 1817). ورغم الأهمية التحليلية لهذه النظرية في تفسير التجارة الدولية، فإن تطبيقها العملي كشف عن مخاطر الاعتماد الأحادي، خاصة في الاقتصادات الضعيفة التي وجدت نفسها محصورة في تصدير المواد الأولية، ومعرّضة لتقلبات الأسعار العالمية.

مع الأزمات الاقتصادية الكبرى في القرن العشرين، ولا سيما الكساد العظيم، بدأ الفكر الاقتصادي يشهد تحولًا في نظرته إلى دور الدولة في إدارة الاقتصاد. فقد أكد جون ماينارد كينز أن ترك الاقتصاد لقوى السوق وحدها لا يضمن الاستقرار ولا التوظيف الكامل، ما فتح المجال أمام تدخل الدولة ليس فقط لإدارة الطلب الكلي، بل أيضًا لتوجيه الاستثمار وتنويع مصادر النشاط الاقتصادي  (Keynes, 1936).

غير أن الصياغة الأكثر وضوحًا لمفهوم التنويع الاقتصادي برزت في إطار الاقتصاد التنموي بعد الحرب العالمية الثانية، حين واجهت الدول الخارجة من الاستعمار تحديات بناء اقتصادات وطنية مستقلة. فقد ربط مفكرون مثل آرثر لويس بين التنمية الاقتصادية والتحول الهيكلي، مؤكدين أن الانتقال من أنشطة منخفضة الإنتاجية إلى أنشطة صناعية وخدمية أكثر تعقيدًا يمثل شرطًا أساسيًا للتنمية  (Lewis, 1954). كما شدد ألبرت هيرشمان على أهمية الروابط الخلفية والأمامية بين القطاعات في دفع عملية التنويع (Hirschman, 1958)، بينما طرح روزنشتاين-رودان فكرة "الدفع الكبير" بوصفها آلية لكسر حلقة التخلف الاقتصادي  (Rosenstein-Rodan, 1943).

في سبعينيات القرن العشرين، ومع صدمات النفط وتقلبات النظام النقدي الدولي، انتقل مفهوم التنويع الاقتصادي من إطار التحليل الأكاديمي إلى مجال السياسات العامة. فقد تبنّت المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، هذا المفهوم بوصفه أداة مركزية لفهم اختلالات الاقتصادات الريعية وتصميم برامج الإصلاح الاقتصادي (UNCTAD, 2019؛ World Bank, 2020؛ IMF, 2021) ). ومنذ ذلك الحين، أصبح التنويع الاقتصادي جزءًا أساسيًا من خطاب التنمية والإصلاح في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء.

** خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z