أحمد مسلم سوحلي جعبوب
في الجنوب العُماني، حيث تتكسر الخرائط المألوفة للتنوع الحيوي، وتعلو الجغرافيا على القواعد العامة للطبيعة، تتشكل الندرة بوصفها قانونًا لا استثناء. هناك، في ظفار، وبالتحديد في نطاقها الغربي شرق جبل القمر، وُلدت نوادر نباتية لا تشبه سواها، ولم تجد لها موطنًا بديلًا على امتداد الكرة الأرضية. ومن بين هذه النوادر يقف نبات تعزيف شاهدًا حيًا على قوة التضاريس، وقسوة الظروف، وقدرة المكان على صناعة التفرّد المطلق.
إن تضاريس غرب ظفار ليست مجرد خلفية جغرافية، بل هي عامل خالق للتنوع. جبال كلسية وعرة، أخاديد صخرية حادة، انحدارات شديدة، تربة فقيرة شحيحة، ورياح موسمية لا ترحم، كلها اجتمعت لتصنع بيئة انتقائية لا تسمح بالبقاء إلا للأكثر تكيّفًا. في مثل هذه الأماكن لا تنتشر النباتات، بل تصمد. ولا تتكاثر اعتباطًا، بل تتخصص. ومن هنا جاءت الندرة بوصفها نتيجة طبيعية لقوة المكان، لا طارئًا عليه.

ورغم أن التربة في غرب ظفار، وخصوصًا في نطاق شمال جبل القمر، توصف عمومًا بالفقر والضحالة، إلا أن هذا لا ينفي وجود تباينات بيئية واضحة داخل الجبل نفسه. فالجزء الجنوبي الغربي من جبل القمر يُعد من أهم مناطق الغابات والمراعي في ظفار، حيث تسود التجمعات الشجرية المفتوحة، وتتداخل المراعي الموسمية مع الغطاء النباتي الكثيف، في مشهد يعكس تأثير الرطوبة الموسمية وخصوصية التعرض المناخي.
الاسم العلمي لنبات تعزيف هو Euphorbia dhofarensis، وهو نبات متوطن توطنًا مطلقًا في الجنوب العُماني، ولا يُعرف له أي وجود طبيعي خارج حدود ظفار، وتحديدًا في مناطقها الغربية الواقعة شرق جبل القمر. وقد سُجِّل هذا التوطن علميًا عام 1992، مانحًا النبات قيمة علمية عالية، وجاعلًا منه عنصرًا أساسيًا في فهم تاريخ الغطاء النباتي وتطور نباتات الفربيون في جنوب شبه الجزيرة العربية، ضمن سياق بيئي فريد تشكله العزلة الجغرافية والانتقائية المناخية.
ولا ينمو تعزيف في الأجزاء الأكثر خصوبة نسبيًا من جبل القمر، بل يختص بالأجزاء الجافة المشجرة بأشجار اللبان والبان والبخوريات، حيث تنتشر الجروف الصخرية والمنحدرات الحادة ذات التربة الحجرية الفقيرة، ورُصد كذلك هذا النوع في منطقة عيون أيضًا في ظفار. في هذه المواضع الانتقائية، حيث يقل تراكم التربة ويشتد التصريف المائي وتزداد قسوة التعرض الشمسي والريحي، يجد النبات مجاله البيئي الحقيقي، مؤكدًا أن وجوده مرتبط بالجفاف النسبي والبنية الصخرية أكثر من ارتباطه بالكثافة النباتية أو وفرة المراعي.
ومن الناحية العلمية، ينتمي تعزيف إلى جنس الفربيون، وهو جنس واسع يضم طيفًا كبيرًا من الأشكال النباتية والتكيفات البيئية. غير أن هذا النوع يتميز بصفات مورفولوجية دقيقة تميّزه عن كثير من الأنواع العصارية الشائعة. فهو شجيرة معمّرة، تفرز سائلًا لبنيًا أبيض اللون عند الجرح، وهي سمة ثابتة ومميزة للفربيونات.
يتخذ النبات هيئة شجيرية منخفضة، تنمو كتلته النباتية مائلة نحو الأرض، ولا تتخذ نموًا عموديًا صاعدًا. تنشأ الأغصان من جذع واحد خشبي واضح، ثم تتفرع بشكل معقد ومتشابك، مكوّنة كتلة غير منتظمة تميل إلى الانتشار الأفقي. الأغصان أسطوانية الشكل، لحمية نسبيًا، ذات لون أخضر فاتح يميل إلى الرمادي، وهي التي تقوم بعملية البناء الضوئي، في ظل غياب الأوراق تمامًا، أو اختزالها إلى حد غير وظيفي، في تكيف واضح مع الجفاف وفقر التربة.
وتظهر الأزهار في تجمعات صغيرة عند عقد الأغصان، على هيئة نويّرات مميزة لجنس الفربيون، لونها أصفر مخضر، دقيقة الحجم، تحمل غددًا رحيقية واضحة، وتبرز فيها الأجزاء الزهرية بخيوط صفراء دقيقة، مشكلة تجمعات زهرية كثيفة نسبيًا، منسجمة مع أنماط التلقيح في البيئات الجافة وشبه الجافة.
أما الثمار فتتكون لاحقًا في عناقيد قصيرة، وهي ثمار كروية إلى شبه كمثرية الشكل، ذات لون وردي مائل إلى الاحمرار عند النضج، محمولة على أعناق رفيعة منحنية، وتبدو مغطاة بنقاط دقيقة، وتشكل تباينًا لونيًا واضحًا مع لون الأغصان الرمادي المخضر. وتمثل هذه الثمار مرحلة تكاثرية بارزة، تعكس تكيفًا بصريًا ووظيفيًا مع الطبيعة الصخرية القاسية للموطن.
ويعكس هذا النمط البنيوي، من الجذع الخشبي القاعدي إلى الأغصان الأسطوانية المتشابكة، تكيفًا طويل الأمد مع الرياح القوية والانحدارات الصخرية، حيث يساعد انخفاض الكتلة النباتية وميلها نحو الأرض على تقليل التعرض للعوامل الميكانيكية القاسية. كما يسهم اللون الرمادي المخضر للأفرع في الحد من امتصاص الحرارة وتقليل الإجهاد الحراري خلال فترات الجفاف.
إن وجود تعزيف في هذا النطاق الضيق من غرب ظفار ليس مصادفة، بل نتيجة مباشرة لتفاعل معقد بين الجيولوجيا والمناخ والتاريخ البيئي للمنطقة. فهو نبات لا يمكن فصله عن تضاريس جبل القمر، ولا فهمه بمعزل عن السياق المكاني الذي صاغ شكله وحدد مجاله. ومن هنا، لا يمثل مجرد سجل نباتي نادر، بل وثيقة حية تؤكد أن الجنوب العُماني ليس هامشًا بيئيًا، بل مركزًا حقيقيًا لصناعة التفرّد النباتي، حيث تصوغ التضاريس القاسية نوادر لا تتكرر.
