ماجد بن علي الهادي
"عندما تكون هناك صواري خشب فوق الماء، وعندما تكون هناك جسور وحواف ممتدة فوق النهر، فإنه لن يكون هناك من أحد ليصدق من يقول: كل شيء في الماء". نيتشه
*****
لكل منَّا مرآته الذهنية العاكسة لأفعاله، ولكل منَّا ميوله الأدبية المتماهية مع انعكاسات مرآته. وهذه المرآة لا تنتبه لهذا الميول في كثير من الأحيان، لأنها تكون مشغولة في التمحيص لكل ما يرضي الفكر، وتطمئن له الغريزة الأدبية.
وعلى هذا النمط تشرئب النفس وتسمح لذاتها بأن تعانق طيور المعارف، وتحاول أن تسايرها في الطيران وتواكبها في المسار ذاته. لكن الطيور لا تسمح في أغلب الأحيان بأن يرافقها ولو على صورة خيال من يتشبه بها. فيبدأ الصراع بداية في المساحات البينية وامتدادا في سرعة وقوة الخفقان. فتضطر النفس الفكر الانسحاب من هذا المعترك الذهني. وتهتز المرآة على ظهر جدار العقل.. فيأبى هذا الأخير بأن يتحمل عدم ثباتها واتزانها، ويلقي بها على أرض التشويش.
هذه العملية العميقة يشتد أوارها حسب عدد ومدى المحاولات التي تتناوب فيه النفس مشاكسة طيور المعارف. حتى وإن نجحت النفس بعد المحاولات الحثيثة المتعددة، فستنجح لمرة متجزأة فيها التصنيفات، وبعدها ستكشر عن أنياب التحدي، كون هذا العالم مزروع في أرض طهارة أمانة الإبداع، ومحاط بأسوار من الإرث الثقيل الذي تأبى أن تحمله ظهور الأيام. بمعنى إذا استطاعت نفس ما خطف ريشة من أجنحة طيور المعرفة وبها سطعت شموس التميز والإبداع. هذا لا يعني هذه النفس قادرة على خطف ريشة أخرى بكل بساطة. فالطيور ستراقب وستتابع فلذة تكوينها مع ذلك الغريب الذي أقتحم عليها عالمها المعرفي العميق وبحرها العلمي الكثيف. فإن وجدت فيه الإخلاص والأمانة في المحافظة على عدم تعرض ريشتها لأي إسفاف أو إخلال أو تلويث.. فإنها بالتأكيد ستثق تدريجيا حتى تصل الى مرحلة الاندماج، بحيث لا يستطيع المرء الفصل بين الشكل والمضمون، بين النفس وأفعالها، بين المجاهرة بلا والمخافتة بنعم.
من هنا تتقولب الأفكار الصحيحة.. ومن هنا نستطيع أن نحكم بلا مجاملة على كل ما هو سطحي ضئيل وبين ما هو راق وسام. إن الطيور ترفرف فوقنا باستمرار تحمل على رؤوسها الكثير من الثقافات والمعارف والأفكار والتجارب التاريخية من كل حدب وصوب. منها ما شكلته الجهود المضنية لعقول فارقتها أجسادها وباتت تسكن في كهوف التأمل. ومنها ما استشفت قلوبها وعقولها ونهلت من بحور الاكتشافات والاستنباطات بهويات مختلفة وألسنة متنوعة. وكذلك النفوس الساعية بكل ما أوتيت من قوة الاجتهاد.. متعددة ويتوافق عددها غالبا مع هذه الطيور. لأنه في نهاية المطاف، ذلك الإبداع بإطاره وقالبه ينتظر من يتبناه ويضيء به نور الاستفادة.
ولذلك فإن التأتّي لهذا الشأن لا تتورد جوانبه بورود السهولة.. وإنما مع الصعوبة المكتنفة لهذا المسار المعرفي الشاق. وهذا الذي يتفاخر ويتباهى بأعلى صوت بأنه قد وصل إلى قمة هذا الطريق الوعر، ما هو سوى صوت جوفه الجهل وصنع منه طبلا تسمعه آذان المهرجين في مسرح، لا يزوره سوى مدعي المعرفة والثقافة.
ذات يوم، نظر أفلاطون إلى رجل جاهل معجب بنفسه، فقال: وددت أني مثلك في ظنّك، وأن أعدائي مثلك في الحقيقة. الحقائق المعرفية لا تعتاد على جهالة السطحية أبدًا؛ بل تنكفها وتسحقها كما تفعل طيور المعرفة لحماية مخزونها العلمي والمعرفي من قطاع طرق المعرفة! وهذا ليس ديدن منهجية الطيور وإنما هو معيار حقيقي ثابت المبدأ راسخ المعنى، تنبت منه كل أشجار العلم في الحياة ليستظل بظلها المجتهد بعد جهد جهيد من المثابرة والتضحيات. وأول هذه التضحيات الوقت كيف تستطيع التصالح معه؟ وكيف لك أن تتحكم في التوان بين أنفاسه السريعة ونبضات سيرك البطيئة! ستنتبه مرآة العقل حينها إلى التفاتة النفس الميالة إلى دحر ظلام الجهل.. وستتوافق كل طيور المعارف مع أصوات الاجتهادات.. وستصدح العقلية بكل ما هو مبتكر ومبدع وماهر. فقط كل ما على المجتهد أن لا يرضخ لهمهمات خداع الغرور؛ بل يحافظ على روعة خرير التواضع الساكن في جريان ساقية إرث القيم وصلابة حواف حاجز التاريخ.
ومن خلال هذا التوازن المعرفي الفكري.. تتفجر ينابيع المعرفة.. تنبجس عيون الابتكارات.. وتصقل المفاهيم لتغدو الشعلة التي تغذيها جذور العلم المرتكز على أساس مصداقية النزاهة المعرفية النافعة والمفيدة.
وكما قال مالك بن دينار: "من لم يؤت من العلم ما يقمعه، فما أوتي منه لا ينفعه".
