كلثوم الحسنية
أكثر ما يُرهق الإنسان، ليس أذى النَّاس، بل الأحكام التي يحملها عنهم، ويُعيد تدويرها في داخله حتى تتحوّل إلى ضجيج لا يهدأ.
ففي مرحلةٍ ما، يدرك الإنسان أن إطلاق الأحكام لا يمنحه فهمًا، ولا يضيف إلى روحه طمأنينة. بل على العكس، يستهلكه بصمت. فكثرة الحكم على الآخرين، والتسرّع في تفسير نواياهم، والتصنيف الحادّ بين "جيد" و"سيئ"، تصنع داخل صاحبها محكمة كاملة لا تُغلق أبوابها. قاضٍ لا ينام، وأحكام لا تُستأنف، وضجيج يتصاعد، ثم نتساءل لماذا لا نشعر بالراحة.
وحين نحاكم الآخرين باستمرار، نعيش وكأننا خبراء في قراءة النفوس، مع أن الحقيقة الأبسط والأصدق:
لا أحد يعرف أحدًا. ولو كُشف لنا ما في قلوب الناس حقًا، لعذرناهم، أو لصمتنا على الأقل. فكم من تصرّف حسبناه تجاهلًا، وكان تعبًا، وكم من قسوةٍ فسّرناها سوء نية، وكانت عجزًا عن التعبير.
إنَّ النضج لا يعني ألا ننزعج. أنا أنزعج، نعم. أنزعج حين لا يُقابل اللطف باللطف، وحين تُساء قراءة نواياي، وحين تُفهم أفعالي على غير ما قصدت. وأحيانًا، لا يُوجعني تصرّفهم بقدر ما يوجعني توقّعي منهم. لكن ما تعلّمته مع الوقت، ألا أحمل هذا الانزعاج معي كحكمٍ نهائي على الشخص، ولا أُغلق أبواب القبول، ولا أختصر الإنسان كله في موقف واحد عابر.
ومن هنا، تغيّرت علاقتي بالناس، لا لأنني أصبحت أقل اهتمامًا، بل لأنني أصبحت أكثر وعيًا. لم أعد أضعهم في موضع يسمح لهم بالتحكم في مزاجي، أو في صفاء يومي. لا أمنح أحدًا مساحة أكبر من حجمه الحقيقي في حياتي. أُحجّم، وأتجاوز، وأمضي، أسرع مما كنت أفعل سابقًا، دون ضجيج، ودون معارك داخلية لا طائل منها.
ومن النضج أيضًا، أن ندرك أن النَّاس لا يعاملون سواسية. فليس كل مريض يناسبه الدواء نفسه، وليس كل الأشخاص قادرين على استقبال العمق. بعضهم لا يرى إلا السطح، فإن قدمت له مشاعرك العميقة، شعرت بالخذلان حين لا تُفهم أو تُهمَّش. وهنا، لا يكون الحل في اتهامهم أو محاكمتهم، بل في إعادة توجيه عمقك إلى من يعرف كيف يحتضنه ويحتويه.
وهنا تحديدًا يكمن أحد أشكال الحكمة الهادئة: أن تعرف لمن تقول، ومتى تقول، ومتى تختار الصمت لا ضعفًا، بل احترامًا لذاتك. فليس كل ما نشعر به يجب أن نضعه في غير موضعه، وليس كل صدق يصلح أن يُقال لكل أحد. أحيانًا، أعظم حماية لمشاعرك أن تختار المكان الصحيح لها.
إن العالم لا يتغيّر حين نخفّف أحكامنا، لكننا نحن من نتغيّر. يتبدّل ثقل الأيام، ويهدأ الداخل، وتعود الأشياء إلى أحجامها الطبيعية. نتعلّم أن بعض التصرّفات لا تستحق تفسيرًا طويلًا، ولا ردًا مرهقًا، ولا حكمًا نهائيًا. يكفي أن نفهم، أو نتجاوز، أو نختار المسافة الآمنة التي تحمينا دون أن تُقسّي قلوبنا.
ومع الوقت، نكتشف أن السلام لا يأتي من إصلاح الآخرين، بل من ترتيب علاقتنا بهم، ومن قدرتنا على أن نمضي بخفة، دون أن نحمل معنا أكثر مما ينبغي. وحين يحدث ذلك، لا نصبح ألين، بل أكثر صدقًا مع أنفسنا، وأكثر اتزانًا في عبور هذه الحياة.
