وزارة التعليم.. نقلة نوعية في بناء مستقبل عُمان

 

 

 

محمد بن علي الرواحي

لم يعد التعليم في الدول الحديثة سلسلة مراحل منفصلة تُدار بمؤسسات متباعدة، بل أصبح منظومة وطنية متكاملة تُصمم بعقل واحد وتُدار برؤية مشتركة، تبدأ من الطفولة المبكرة ولا تنتهي عند البحث العلمي والابتكار؛ بل إنها رحلة مستمرة لا تتوقف.

ومن هذا المنطلق، فإن دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي لم يعد خيارًا تنظيميًا، وإنما ضرورة استراتيجية تفرضها تحولات الاقتصاد العالمي ومتطلبات بناء الإنسان في القرن الحادي والعشرين.

والفصل الإداري بين المدرسة والجامعة أفرز عبر السنوات فجوة متنامية بين ما يُدرّس في التعليم العام وما يُطلب في التعليم العالي، ثم فجوة أكبر بين مخرجات الجامعات واحتياجات سوق العمل، هذا الانفصال جعل الطالب ينتقل من نظام إلى آخر وكأنه ينتقل بين فلسفتين مختلفتين، رغم أن الهدف واحد، وهو إعداد مواطن قادر على التعلم والإنتاج والمنافسة، وعندما تُدار المراحل التعليمية بوزارتين مستقلتين، فإن التخطيط يصبح مجزأً، والسياسات متقاطعة، والموارد موزعة على أولويات مؤسسية لا على احتياجات وطنية شاملة.

إن إنشاء وزارة تعليم موحدة يتيح للدولة أن تصمم المسار التعليمي للإنسان بوصفه رحلة واحدة متصلة، بحيث تُبنى المناهج المدرسية وفق متطلبات التعليم العالي، وتُحدد سياسات القبول والتخصصات الجامعية بناءً على مخرجات التعليم العام، ويُوجَّه البحث العلمي لخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في هذه المنظومة المتكاملة، لا تكون المدرسة مجرد مرحلة تمهيدية، ولا تكون الجامعة محطة منفصلة، بل حلقتين في سلسلة واحدة تصنع العقل الوطني.

والدمج المؤسسي يحقق كفاءة أعلى في إدارة الموارد العامة؛ إذ يُنهي الازدواجية في الإدارات والأنظمة الرقمية وقواعد البيانات، ويُقلل من الهدر الناتج عن تكرار الأدوار وتعدد المرجعيات، ويوجه الميزانيات نحو جوهر العملية التعليمية، أي المعلم، والمنهج، والبيئة التعليمية، والبحث العلمي، فالإنفاق على التعليم لا يقاس بحجمه، بل بقدرته على إنتاج قيمة معرفية واقتصادية مستدامة.

وعلى المستوى المعرفي، فإنَّ دمج التعليم العام مع التعليم العالي يعيد للبحث العلمي موقعه الطبيعي داخل المنظومة التعليمية؛ حيث يصبح التفكير النقدي وحل المشكلات والابتكار مهارات تُزرع منذ الصفوف الأولى، وتتطور في المراحل الدراسية، ثم تزدهر في الجامعات ومراكز البحث، وبهذا يتحول التعليم من تلقين للمعرفة إلى صناعة للمعرفة، ومن حفظ للمعلومة إلى إنتاج للفكرة.

التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي حققت قفزات نوعية في جودة التعليم والقدرة التنافسية اعتمدت على وزارات تعليم موحَّدة تقود السياسة التعليمية برؤية وطنية شاملة، وتربط بين التعليم والتنمية ربطًا مباشرًا، وفي هذا السياق، فإن دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي يمثل خطوة منسجمة مع طموحات الدول الساعية إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.

إنَّ توحيد منظومة التعليم ليس قرارًا إداريًا فحسب؛ بل هو إعلان عن انتقال الدولة من إدارة مراحل تعليمية منفصلة إلى إدارة مشروع وطني لبناء الإنسان، وهو المشروع الذي لا يملك أي وطن موردًا أثمن منه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z