جان يعقوب جبور
لطالما رفعت الولايات المتحدة شعار الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بوصفه ركيزة أساسية لسياستها الخارجية. غير أنّ مقارنة تعاملها مع أزمات دولية مختلفة، ولا سيما غزة وفنزويلا، تكشف بوضوح عن سياسة انتقائية تحكمها المصالح الاستراتيجية لا المبادئ المعلنة. هذه الازدواجية ليست طارئة؛ بل تمتد جذورها إلى تاريخ طويل من الممارسات الأمريكية في العلاقات الدولية.
أولًا: غزة… حماية الحليف فوق القانون الدولي
منذ عقود، يشكّل الدعم الأمريكي لإسرائيل أحد أكثر ثوابت السياسة الخارجية لواشنطن. وفي كل جولة تصعيد في غزة، يتكرّر المشهد ذاته: تعطيل المساءلة الدولية، توفير الدعم العسكري غير المشروط واعتماد خطاب انتقائي لحقوق الإنسان. ومن هنا استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) عشرات المرات منذ سبعينيات القرن الماضي لإسقاط قرارات تدين إسرائيل أو تطالب بوقف العدوان أو حماية المدنيين الفلسطينيين. ففي عام 2014، خلال الحرب على غزة، عطّلت واشنطن مشاريع قرارات تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار رغم سقوط آلاف الضحايا المدنيين. وفي 2023- 2024، تكرّر المشهد مع رفض أمريكي متواصل لأي قرار يفرض وقفًا دائمًا للحرب أو يفتح باب المحاسبة. إضافة إلى ذلك أن الولايات المتحدة تقدم مساعدات عسكرية سنوية لإسرائيل تُقدَّر بمليارات الدولارات، دون ربط فعلي باحترام القانون الدولي الإنساني، في تناقض صارخ مع قوانين أمريكية داخلية مثل "قانون ليهي" الذي يفترض منع دعم أي جهة تنتهك حقوق الإنسان. وفي غزة، تُختزل المأساة الإنسانية بعبارة "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس"، بينما يُهمَّش الحديث عن الحصار، التهجير القسري، واستهداف البنية التحتية المدنية.
ثانيًا: فنزويلا.. العقوبات باسم الديمقراطية
في المقابل، تعتمد واشنطن تجاه فنزويلا سياسة شديدة الصرامة، عنوانها المعلن "حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان" من خلال فرض عقوبات اقتصادية كأداة ضغط، اعتماد شرعية سياسية انتقائية وتجاهل الأثر الإنساني للعقوبات تمامًا كما حصل مع دول عدة أخرى (قانون قيصر في سوريا). منذ عام 2015، فرضت الولايات المتحدة سلسلة عقوبات مالية ونفطية على فنزويلا، تصاعدت بشكل حاد في 2017–2019 مما أدت إلى تراجع حاد في الاقتصاد، وانعكست مباشرة على الخدمات الصحية والغذائية، وفق تقارير أممية ومنظمات دولية مستقلة. وفي عام 2019 اعترفت واشنطن بزعيم المعارضة خوان غوايدو "رئيسًا مؤقتًا"، متجاوزة الواقع السياسي الداخلي، في خطوة فسّرها كثيرون على أنها تدخل مباشر في الشأن السيادي لدولة أخرى. ورغم اعتراف تقارير أممية بأن العقوبات فاقمت معاناة المدنيين، استمر الخطاب الأمريكي في تبريرها أخلاقيًا، دون مراجعة حقيقية لنتائجها.
ثالثًا: الجذور التاريخية للازدواجية
إن ازدواجية المعايير الأمريكية ليست استثناءً؛ بل نمطًا متكررًا. ففي أمريكا اللاتينية، دعمت واشنطن انقلابات عسكرية في تشيلي (1973) وغواتيمالا ونيكاراغوا، رغم انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بحجة مواجهة "الخطر الشيوعي". وفي الشرق الأوسط، غضّت الطرف عن أنظمة سلطوية حليفة طالما حافظت على المصالح الأمريكية، بينما رُفعت راية الديمقراطية في وجه خصوم سياسيين. ولا ننسى غزو العراق عام 2003 حيث رُوّج له أخلاقيًا باسم "تحرير الشعب العراقي"، وانتهى بكارثة إنسانية وانتهاكات موثّقة، دون محاسبة جدّية للمسؤولين عنها.
رابعًا: الأثر على النظام الدولي
تُسهم هذه الازدواجية في تقويض مصداقية القانون الدولي، إضعاف دور المؤسسات الأممية، تعزيز منطق "القوة فوق العدالة" ودفع دول كبرى وصاعدة إلى بناء تحالفات بديلة خارج الهيمنة الغربية وهذا ما يفسّر جزئيًا تصاعد الخطاب العالمي الرافض للأحادية الأمريكية، وتنامي دور قوى دولية منافسة.
وفي الختام.. إنَّ المقارنة بين غزة وفنزويلا تكشف بوضوح أن حقوق الإنسان في السياسة الأمريكية ليست قيمة كونية ثابتة؛ بل أداة سياسية تُستخدم بمرونة حسب موقع الدولة على خارطة المصالح. وبينما تستمر هذه الازدواجية، تتآكل الثقة العالمية بالنظام الدولي، ويزداد الشعور بأن العدالة لم تعد مبدًا؛ بل امتيازًا. ويبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع الولايات المتحدة مراجعة سياساتها واستعادة اتساقها الأخلاقي، أم أن منطق القوة سيظل الحاكم الفعلي لعلاقاتها الدولية؟
