تأمين الكوارث الطبيعية في "الطرف الثالث".. ضرورة

 

 

 

إبراهيم بن سالم الهادي

 

سلطنة عُمان بتنوعها الجغرافي ومناخها الفريد، يجعلها في الوقت ذاته أكثر عرضة لتقلبات مناخية متعددة، تتراوح بين الأعاصير المدارية والمنخفضات الجوية والفيضانات المفاجئة، وهي ظواهر باتت تتكرر بوتيرة أعلى خلال السنوات الأخيرة

ومنذ إعصار «جونو» عام 2007، الذي خلّف خسائر قُدّرت بنحو 3.9 مليار ريال عُماني، بدأت تتضح ملامح تحدٍّ طويل الأمد يتعلق بقدرة منظومة الحماية القائمة على مواكبة المخاطر المناخية المتغيرة، وتوالت بعد ذلك الأعاصير والمنخفضات بين «فيت» و«مكونو» و«شاهين»، وكان الأخير أكثرها تأثيرًا، إذ بلغت خسائره نحو 1.88 مليار ريال عُماني، ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية التغطية التأمينية القائمة

وتشير البيانات إلى أن مساهمة شركات التأمين في التعويض عن الخسائر الناتجة عن إعصار «شاهين» لم تتجاوز ما قيمته 55 مليون ريال عُماني على أقل تقدير، وهو ما يعكس فجوة تأمينية واضحة؛ حيث لم تغطِّ وثائق التأمين سوى نحو 7% من إجمالي الأضرار، ويتجلى هذا الخلل بشكل أكثر وضوحًا في قطاع المركبات، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 70% من المركبات المتضررة خلال الإعصار لم يتم تعويضها لكونها مؤمّنة بتأمين الطرف الثالث فقط

وفي المقابل، تجاوزت قيمة التعويضات المدفوعة لوثائق التأمين الشامل للمركبات خلال إعصار «شاهين» 6.6 مليون ريال عُماني، شملت ما لا يقل عن 1900 مركبة، وهو ما يكشف تفاوتًا كبيرًا في مستوى الحماية بين المؤمن لهم، ويضع علامات استفهام حول عدالة توزيع المخاطر في منظومة التأمين الحالية

في عام 2024، جاءت منخفضات جوية عدة، من بينها «الوبل» و«المطير»، لتؤكد استمرار المخاطر المناخية وتأثيرها المباشر على الأفراد والممتلكات. ففي منخفض «المطير» وحده، تجاوزت مطالبات التأمين 15 مليون ريال عُماني، تركز معظمها في محافظات شمال الباطنة والبريمي ومسقط، ما يعكس اتساع رقعة التأثر وتكرار الخسائر، ويؤكد أن ما حدث في الأعوام السابقة لم يكن استثناءً.

وسط هذا الواقع، تبرز قضية تأمين الطرف الثالث بوصفها إحدى أكثر القضايا إلحاحًا من منظور اجتماعي واقتصادي، فهذه الفئة التي تمثل الشريحة الأوسع من أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، تلتزم بتأمين يغطي أضرار الغير دون أن يوفر لها حماية لمركباتها عند وقوع الكوارث الطبيعية، وعند جرف المركبات بفعل الأودية أو تلفها نتيجة الفيضانات، يتحمل أصحاب هذا التأمين كامل الخسارة، في ظل غياب ملحق الكوارث الطبيعية، وكونه لا يزال خيارًا اختياريًا غالبًا ما يُطرح بقيمة مرتفعة لا تتناسب مع قدراتهم المالية.

إنَّ هذا الخلل لا يقتصر على خسارة مادية آنية؛ بل يمتد ليطال الاستقرار المعيشي، خاصة عندما تكون المركبة وسيلة العمل الوحيدة لصاحبها. ومع تكرار الظواهر المناخية، تتحول هذه الخسائر الفردية إلى أزمة اجتماعية صامتة، تثقل كاهل الأسر، وتضعف قدرتها على التعافي، وتوسع دائرة الهشاشة الاقتصادية.

وفي المقابل، تُظهر بيانات التعويضات أن تأمين الممتلكات والتأمين الهندسي يستحوذان على النصيب الأكبر من التعويضات، بنسبة تجاوزت في بعض الحالات 76% و17% على التوالي، بينما تبقى شريحة تأمين الطرف الثالث للمركبات الأقل حظًا من الحماية، رغم كونها الأوسع انتشارًا!

ويؤكد هذا التفاوت الحاجة إلى تدخل تشريعي يعيد التوازن إلى منظومة التأمين، ويضمن توزيعًا أكثر عدالة للمخاطر والتعويضات.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، تبرُز ضرورة إلزام إدراج ملحق الكوارث الطبيعية ضمن وثائق تأمين الطرف الثالث بمبلغ رمزي- لا يزيد عن 5 ريالات- لا يشكل عبئًا ماليًا على أصحاب الدخل المحدود والمتوسط. وكون هذا الملحق اختياريًا هو ما يرفع قيمته، بينما سيؤدي جعله إلزاميًا إلى توزيع المخاطر على قاعدة واسعة من المؤمن لهم؛ الأمر الذي ينعكس في خفض كلفته وتحويله إلى قيمة رمزية توفر الحد الأدنى من الحماية عند وقوع الكوارث لا قدر الله.

كما إن اعتماد هذا الملحق الإلزامي ذي القيمة الرمزية يعزز من دور قطاع التأمين كشريك في إدارة المخاطر الوطنية، ويسهم في تقليل الآثار الاقتصادية والاجتماعية للكوارث، ويخفف الضغط عن الجهات الحكومية في مراحل التعافي، وفي ظل التحولات المناخية المتسارعة، لم يعد الاكتفاء بالحلول الاختيارية كافيًا؛ بل باتت المعالجة التشريعية الملزمة ضرورة تفرضها اعتبارات العدالة الاجتماعية والاستدامة الاقتصادية، بما يضمن حماية متوازنة لجميع فئات المجتمع، ويعزز قدرة سلطنة عُمان على مواجهة الكوارث بثبات ومسؤولية.

الأكثر قراءة

z