6 أعوام من النَّهضة المُتجددة.. قيادة راسخة ومُستقبل مشرق

 

 

 

د. حامد بن عبدالله البلوشي **

 

ليس الحادي عشر من يناير يومًا عابرًا في تقويم الوطن؛ بل هو محطة تاريخية مفصلية، تتوقف عندها الذاكرة العُمانية لتَستحضر لحظةً نادرة في مسار الدول؛ لحظة الانتقال الهادئ للقيادة، وانتظام الدولة في مسارها، وتجلّي وعي الشعب بوحدته، وثقته بقيادته، وإيمانه بمُستقبله.

في ذلك اليوم من عام 2020، طوى العُمانيون صفحةً مَهيبةً من تاريخهم برحيل السُّلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- وفتحوا في اللحظة ذاتها صفحةً جديدة بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- في مشهدٍ وطنيٍّ فريد، اختلط فيه الحزن بالرجاء، والوفاء بالأمل، والدمعة بالعزيمة.

وتكمن دلالة هذا اليوم في كونه نقطة توازن نادرة بين الوجدان والعقل، وبين العاطفة والمؤسسة. فقد شهد العالم أجمع انتقالًا سلسًا للحكم، لم تُسمع فيه ضوضاء، ولم تُرفع فيه راية اختلاف؛ بل ارتفع صوت الدستور، وتقدمت مؤسسات الدولة بثقة، والتفّ العُمانيون حول قيادتهم في مشهدٍ يعكس عمق النضج السياسي، ورسوخ الدولة، وتماسك المجتمع.

لقد كان 11 من يناير تجسيدًا عمليًّا لمعنى الدولة الحديثة؛ دولة لا تُدار بالأشخاص وحدهم؛ بل بالقوانين، ولا تُحفظ بالعواطف وحدها؛ بل بالوعي الجمعي، ولا تستمر بالشعارات؛ بل بالعمل المؤسسي المُتراكم.

لم يكن تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- مقاليد الحكم قطيعة مع الماضي، وانفصالًا عن فترة من تاريخ عُمان الأبية، ولا تكرارًا لتجربة رائعة من حكم السُّلطان قابوس؛ بل كان امتدادًا واعيًا لمسيرة النهضة التي أرسى دعائمها السلطان قابوس، وبنى عليها بعقل الدولة وخبرة المؤسسات.

ففي الخطابات الأولى لصاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق- وفقه الله- أرسى جلالته معادلة دقيقة: الوفاء للإرث مع شجاعة التجديد، والحفاظ على ثوابت السياسة العُمانية المتزنة مع فتح آفاق جديدة للإصلاح والتحديث، وصون الهوية الوطنية مع الانفتاح الواعي على العصر.

وهكذا، واصل الوطن مسيرته بخطى ثابتة، مطمئنًا إلى أن النهضة لم تكن مشروع مرحلة؛ بل منهج دولة.

وقد جاءت الرؤية السامية لجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- واضحة المعالم، عميقة الغاية، مرتكزة على بناء دولة حديثة قوية بمؤسساتها، عادلة بقوانينها، مرنة بإدارتها، وإنسانية في غاياتها؛ فكانت الحوكمة، وسيادة القانون، وتعزيز الشفافية، وإعادة هيكلة الجهاز الإداري، خطواتٍ عملية لترسيخ دولة الكفاءة والمسؤولية.

وفي قلب هذه الرؤية، يقف الإنسان العُماني محورًا للتنمية، وغايةً لكل إصلاح، وأداةً لكل بناء؛ إنسانٌ يُمكَّن بالعلم والمعرفة، ويُصان بالعدالة والقوانين، ويُحفَّز بالدعم والتمكين.

لقد أدركت القيادة الحكيمة أنَّ الاستقرار السياسي لا يكتمل دون استدامة اقتصادية، وأن الاعتماد على مورد واحد لم يعد خيارًا في عالم متغير؛ فجاء التوجه الحاسم نحو تنويع مصادر الدخل، وبناء اقتصاد منتج، قائم على المعرفة، والابتكار، وريادة الأعمال. وتجلّى ذلك في دعم الاستثمار، وتحفيز القطاع الخاص، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الواعدة، في إطار رؤية "عُمان 2040"، التي ترسم ملامح اقتصاد متوازن، مرن، قادر على المنافسة.

لم يكن هذا التحول سهلًا، لكنه كان ضروريًّا، وقيادته تتطلب شجاعة القرار، وصدق المصارحة، وإشراك المجتمع في فهم التحديات وصناعة الحلول.

وأما على الصعيد الخارجي، فقد واصلت عُمان في عهد جلالة السلطان المعظم- حفظه الله- نهجها الراسخ في الحياد الإيجابي والدبلوماسية المتزنة؛ سياسة لا تنحاز للصراعات، ولا تتنصل من المسؤولية؛ بل تبني جسور الحوار، وتبحث عن فرص السلام؛ فحافظت السلطنة على مكانتها الإقليمية والدولية بوصفها صوتًا عاقلًا، ووسيطًا موثوقًا، وشريكًا يحترم السيادة، ويؤمن بأن الاستقرار الإقليمي لا يُصنع بالقوة؛ بل بالحكمة.

في رؤية سلطان البلاد المُفدّى، لا يُنظر إلى الشباب بوصفهم طاقة مُهمَّشة، أو إمكانيات مُعطَّلة؛ بل شركاء في الحاضر، وصنّاعًا للمستقبل. ومن هنا، جاء التركيز على التعليم، والتدريب، والتأهيل، وربط مخرجات التعليم بسوق العمل، وإشراك الشباب في مسارات التطوير وصنع القرار. وبناء الإنسان، وغرس قيم المواطنة، والمسؤولية، والانتماء الواعي، هو الاستثمار الأعمق، والأكثر ديمومة، والأصدق أثرًا في مسيرة الأمم.

ويتجلّى في المرحلة الراهنة اهتمامٌ متزايد بتعزيز مفهوم المسؤولية المجتمعية، بوصفها ركيزة للتنمية المستدامة، وجسرًا بين الدولة والمجتمع، ومساحةً للشراكة الإيجابية؛ لا الاتكالية السلبية؛ فالعدالة الاجتماعية، والتكافل الوطني، ورعاية الفئات المختلفة، ليست مجرد شعارات جوفاء ترفع؛ بل سياسات حكيمة تُترجم إلى برامج، ومبادرات، وتشريعات، تعزز التماسك الوطني، وتعمّق الإحساس بالمصير المشترك.

وفي ذكرى تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم، لا يجدد العُمانيون الولاء بالكلمات وحدها؛ بل بالعمل، والانتماء، والمسؤولية، والإيمان بأن الوطن يُبنى كل يوم بسواعد أبنائه المخلصين.

هو يوم عهدٍ مُتجدِّد، وثقة راسخة بالمستقبل، ورسالة وحدة تقول: إنَّ عُمان، بقيادتها الحكيمة، وشعبها الوفي، ومؤسساتها الراسخة، ماضية بثبات نحو العُلا، مهما تعاقبت الأزمنة، وتغيَّرت التحديات.

** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z