أنيسة الهوتية
في لقائنا السنوي، أخبرتُ أصدقائي المُقربين بحصولي على منحتين دراسيتين من BSF: إحداهما في الفلسفة، والأخرى في علم النفس، وكلتاهما عن بُعد. توقعت تهنئة عابرة، فإذا بي أواجه غضباً وتوبيخًا. وعتابًا: مرة أخرى يا أنيسة؟! ألن تكتفي؟! وما الفائدة من دراستين لن تتم المصادقة عليهما كونهما عن بُعد؟ ولماذا تضيفين عبئًا معرفيًا لا ينعكس على مهنتك المتعددة أصلًا؟
كان المشهد بالنسبة لي فكاهيًا؛ نظرات تجمع بين الشفقة والدهشة، ونصائح من نوع: «ركّزي على ما يُفيدك عمليًا»، و«العلم جميل، لكن ما الذي ستجنيه من كل هذا التعب؟».
وكأنَّ المعرفة لا تُقبل إلا إذا وُقّعت بعقد عمل. غير أن هذا العتاب، رغم طرافته، كشف جهلًا شائعًا بطبيعة الفلسفة وعلم النفس، وبكونهما في الحقيقة جوهرًا خفيًا لكل المهن والوظائف، لا تخصصين معزولين في برجٍ فكري.
الفلسفة، في صورتها الشعبية، تبدو كإنسانٍ يجلس في ركن ويسأل أكثر مما ينبغي. لكنها عمليًا تدريب عميق على التفكير، وعلى علم الكلام، وعلى بناء الحجج وتحليلها وتحوير الموضوعات دون التواء. الفلسفة لا تعلّمك ماذا تقول فقط، بل كيف تقول، ولماذا، ومتى. وهي مهارة يمارسها يوميًا المحامي، والإعلامي، والمدير، والدبلوماسي، وحتى من يحاول إقناع فريق عمله بفكرة جديدة دون إشعال ثورة صغيرة.
أما علم النفس، فغالبًا ما يُختزل في صورة أريكة وأسئلة عن الطفولة. والحقيقة أنه علم التعامل مع الإنسان كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. يعلّمك فهم الدوافع، وحدود التحمّل، وأنماط السلوك، وكيف تدخل إلى عقول الناس دون اقتحام، وإلى نفوسهم دون وصاية. من يتقنه لا يتحكم بالآخرين، بل يفهمهم، فيحسن التواصل، ويخفف الصدام، ويقرأ ما بين السطور.
والأمر الأذكى في العلاقة بينهما أن الفلسفة هي الأمّ الفكرية لعلم النفس. فعلم النفس وُلد أصلًا من رحم الفلسفة، ثم استقلّ عنها حين أصبح علمًا تجريبيًا يعتمد الملاحظة والقياس. الفلسفة طرحت سؤال العقل والوعي والمعنى، وعلم النفس نزل به إلى مختبر الحياة اليومية. الأولى ترسم الخريطة، والثاني يشرح طرق السير فيها.
من هنا، لا تبدو دراسة الفلسفة وعلم النفس ترفًا معرفيًا، بل استثمارًا في الفهم.
العلم لا يعني بالضرورة الامتهان، ولا يُقاس دائمًا بما يضيفه إلى الوظيفة، بل بما يضيفه إلى الإنسان. بعض المعارف لا تمنحك منصبًا، لكنها تمنحك وعيًا، وهذا وحده كافٍ ليجعلها تستحق أن تُدرَس.
