عباس المسكري
جاءَ التوجيه السامي من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- خلال ترؤس جلالته اجتماع مجلس الوزراء، بدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع العُماني، ووضع سياسات وآليات عمل واضحة لتعزيز القيم المجتمعية والسلوكيات الإيجابية؛ ليُجسِّد مرةً أخرى عمق الرُّؤية السامية وحرص القيادة الحكيمة على صون المجتمع العُماني، وتعزيز تماسكه، وحماية جميع شرائحه في ظل ما تفرضه التحولات التقنية المتسارعة من تحديات اجتماعية وثقافية.
هذا التوجيه يعكس وعيًا دقيقًا بطبيعة المرحلة، حيث لم تعد التأثيرات السلوكية محصورة في الواقع الملموس؛ بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، الذي بات يشكّل جزءًا من الحياة اليومية، خاصة لدى فئة الشباب، وقد كشفت هذه التحولات عن بعض الظواهر السلبية، مثل ضعف العلاقات المجتمعية، وتراجع تأثير القدوات الإيجابية، وغياب التواصل البنّاء بين الأجيال، وهي مؤشرات تستدعي الوقوف عندها بجدية ومسؤولية.
ومع ذلك، فإنَّ من الإنصاف التأكيد على أن المجتمع العُماني على أرض الواقع لا يزال ولله الحمد مُجتمعًا مُتماسكًا، مُحافظًا على قيمه، مُترابطًا في علاقاته، ومُعتزًا بهويته، وما يظهر من سلوكيات غير طيبة، إنما يبرز بصورة أوضح في العالم الافتراضي، الذي أتاح مساحة واسعة للتعبير غير المنضبط، وأصبح في بعض الأحيان منفذًا لتعويض فراغ نفسي أو اجتماعي أو اقتصادي.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذه الظواهر عن بعض الظروف التي يعيشها عدد من الشباب، الباحثين عن عمل والمُسرَّحين من وظائفهم، فقد وجد بعضهم في منصات التواصل الاجتماعي مُتنفسًا لملء الوقت، أو وسيلة لتحقيق دخل سريع عبر الألعاب الإلكترونية، والتحديات، والمحتوى العابر، الأمر الذي أسهم في بروز ممارسات لا تنسجم مع القيم المجتمعية ولا تعكس الصورة الحقيقية للمجتمع العُماني.
ومن هنا، تبرز أهمية أن تُؤخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار عند وضع السياسات المعالجة للمتغيرات السلوكية، وأن يُنظر إلى ملف التوظيف بوصفه أحد أهم مفاتيح الحل، وليس مجرد مسار اقتصادي منفصل؛ فالتوظيف هو في جوهره عامل استقرار اجتماعي وسلوكي، وأداة فاعلة لحماية الشباب من الانجراف خلف السلوكيات السلبية في الفضاء الرقمي؛ فالشاب الذي ينخرط في عمل كريم ومستقر، يجد نفسه مشغولًا ببناء مستقبله، وتطوير ذاته، وتحقيق طموحاته المشروعة، ويشعر بقيمته ودوره في المجتمع ، وهذا الانشغال الإيجابي يقلل من مساحة الفراغ، ويحد من الارتهان للعالم الافتراضي بوصفه بديلًا عن الواقع، ويحوّل طاقات الشباب من الاستهلاك والجدل إلى الإنتاج والمشاركة الفاعلة.
وعليه.. فإن أي جهود تُبذل لتعزيز القيم المجتمعية أو الحد من التأثيرات السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، ستظل محدودة الأثر ما لم يُجعل التوظيف في صدارة الأولويات؛ باعتباره الطريق الأقرب لمعالجة جذور المشكلة لا مظاهرها فقط، فإشغال الشباب بعمل منتج يضمن لهم قوت عيشهم وكرامتهم، هو استثمار حقيقي في السلوك الإيجابي، وفي استقرار المجتمع، وفي مستقبل الوطن.
إنَّ التوجيه السامي لجلالة السلطان المعظم- حفظه الله وأبقاه- يفتح المجال أمام عمل مؤسسي متكامل، تتكامل فيه الجهود بين الجهات المعنية، والأسرة، والإعلام، ومؤسسات المجتمع، لبناء وعي رقمي رشيد، وتعزيز القيم العُمانية الأصيلة، وتمكين الشباب من القيام بدورهم الطبيعي في مسيرة التنمية؛ بما يحفظ للمجتمع قوته، ويصون هويته، ويواكب متطلبات العصر دون التفريط في ثوابته.
