أثر المعرفة العلمية

 

 

أ. د. حيدر أحمد اللواتي **

 

لا شك أن المعرفة العلمية أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فقد توسعت هذه المعرفة بشكل مذهل لتشمل كل جانب من جوانب وجودنا، فغدت تُشكِّل أفكارنا، وتؤثر في معتقداتنا، وتغير أنماط حياتنا وعاداتنا وحتى طرق تواصلنا وعلاقاتنا مع الآخرين؛ بل يصل تأثيرها إلى قراراتنا اليومية وأمزجتنا وأذواقنا.

والسرُّ وراء هذا التأثير الكبير للمعرفة العلمية يعود إلى التحول الجذري الذي شهدته بعد الثورة العلمية في القرن السابع عشر، فالمعرفة لم تعد مجرد وسيلة لفهم الطبيعة، كما كانت في الحضارة اليونانية القديمة؛ بل تحولت إلى قوة تطبيقية تُنتج منتجات ونماذج عملية تغير حياة الناس والمجتمعات، تلك النماذج والمنتجات لم تجلب فقط رفاهية لم نكن نحلم بها سابقًا؛ بل فرضت علينا أيضًا التخلي عن أساليب حياة اعتدناها؛ بل وأعادت النظر في كثير من أفكارنا ومعتقداتنا التي شكلت هويتنا لقرون من الزمن.

دعونا نأخذ على سبيل المثال اختراع القطار، الذي خلق مشكلة جديدة تتمثل في الاختلاف في التوقيت بين المدن والعواصم المختلفة، هذا الاختلاف قاد إلى أزمة حتمت إعادة النظر في مفهوم الوقت نفسه، لتُعتمد الفكرة المبتكرة لتقسيم العالم إلى مناطق زمنية عام 1883، مما سهّل التواصل بين مختلف أنحاء العالم وغير بشكل عميق طبيعة حياتنا الاجتماعية.

لكن التطور العلمي لم يتوقف عند هذا الحد؛ بل أثر في كثير من المعتقدات والأفكار التي كانت تحتل مكانة مركزية في المجتمعات، مثل ارتباط الألم بالسمو الروحي؛ حيث كان يُنظر إلى الألم والمعاناة كطريق للارتقاء بالروح، وهو توجه واضح في بعض التقاليد الصوفية الإسلامية، وأيضًا في التعاليم الهندوسية والبوذية، وفي السابق، كانت العقوبات في بعض المجتمعات تهدف ليس فقط للردع؛ بل لتنقية النفس من الذنب من خلال تحمل الألم والمعاناة.

تلك القناعة وصلت حتى الوسط الطبي في بعض المجتمعات، حيث اعتُبر الألم جزءًا لا يتجزأ من العلاج، وأن تخفيفه قد يعيق الشفاء، ولذلك واجه استخدام التخدير في العمليات الجراحية مقاومة شديدة، ليس فقط على المستوى الطبي؛ بل اجتماعيًا ودينيًا، ففي بريطانيا، على سبيل المثال، رفض رجال الدين السماح للنساء باستخدام المُخدر أثناء الولادة، معتبرين هذا مخالفًا للقانون الإلهي.

ومن الأمثلة الأخرى التي تغيرت بها قناعاتنا جذريًا، مَفهوم الأمراض وطرق انتقالها، والذي أثَّر في مفاهيم النظافة الشخصية بصورة مذهلة؛ فمنذ قرون كانت الكثير من المجتمعات تعتمد في علاجاتها على الطقوس والتمائم، حتى جاء القرن التاسع عشر واكتشف العلماء- مثل لويس باستور وروبرت كوخ- البكتيريا ودورها في الأمراض، وكان لهذا الاكتشاف نتائج مذهلة؛ إذ قلب كل مفاهيمنا حول المرض، وفتح الباب أمام تطوير اللقاحات، وتعقيم الأدوات الطبية، وتغيير أنماط النظافة العامة والشخصية، وهكذا نجد أن المعرفة العلمية لم تحسن الصحة العامة فقط؛ بل أدت الى تغيير عدد من المجتمعات لأفكارها وقناعاتها.

ومع مرور الزمن، بدأت المعرفة العلمية تفرض نفسها، فلا تُجرى أي عملية جراحية اليوم دون تخدير، وغدت دورات المياه والحمامات جزءًا أساسيًا من جميع المنازل والبيوت، وتوسَّعت ثقافة النظافة العامة والشخصية حتى غدت علما مستقلا بذاته وتجارة تدر الملايين على أصحابها وتغيرت كل تلك الأفكار التي ظلت مسيطرة على عدد من المجتمعات البشرية لعقود من الزمن.

إنَّ القوة الحقيقية للمعرفة العلمية تكمن في تحولها من مجرد أفكار نظرية إلى واقع نعيشه بكل تفاصيله ونمتلك القدرة على التفاعل معه، هذا التحول هو سبب الأثر العميق الذي تتركه في حياتنا، وإذا كان هذا التأثير يثير مخاوف البعض، فإن المستقبل يعدنا بثورة جديدة من التغيرات مع تقدم التقنيات الذكية، تلك التي ربما ستصبح معيارًا للحكم على أفكارنا وربما تُعيد تشكيل معتقداتنا وهويتنا الإنسانية.

أما إذا أردنا أن نواجه هذا الخوف ونحوله الى قوة دافعة للعمل ومواجهة التحديات فعلينا ألا نكتفي بالتمسك بالنماذج والقيم التي خلّفها لنا ماضينا المشرق فقط، فلا نجد لها شواهد الا من خلال ما سطّر في الكتب أو عبارات تسمع في الخطب؛ بل يجب أن تتحول تلك الأفكار والقيم إلى حقيقة واقعية نعيشها يوميًا، علينا أن نجعلها تترجم إلى صور واضحة نراها بأعيننا، ونشعر بها بقلوبنا، ونتفاعل معها بكل تفاصيل حياتنا اليومية، كما يتطلب ذلك أن نمتلك زمام إنتاج المعرفة ونوجهها بطريقتنا، لنحافظ على صوت هويتنا مسموعًا، ولتظل رؤانا قوية تتحدى العالم بحضور لا يُنكر.

لكن، هل يملك واقعنا اليوم الشجاعة لاحتضان هذا الحلم الجريء؟!

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

الأكثر قراءة

z