حمود بن علي الطوقي
ما جعلني أكتب هذا المقال ليس حنينًا عابرًا، بل صورة مُوجعة أرسلها لي أحد الأصدقاء، وهو يتألم لإغلاق عددٍ من أقدم المحلات التجارية في روي؛ واجهات أُطفئت أنوارها، وأبواب أُغلقت بصمت، وكأنَّها إعلان غير مكتوب عن انسحاب الحياة من المكان. صورة واحدة كانت كفيلة بأن تفتح نقاشًا صريحًا بيني وبين مجموعة من الأصدقاء: ماذا يحدث لروي؟ وكيف وصلنا إلى هذا المشهد القاسي؟
روي لم تكن يومًا مدينة عاديةً؛ بل كانت القلب النابض لمحافظة مسقط، تتجاور فيها مدينتي مطرح ومسقط، وتلتقي عندها التجارة والسكن والعمل منذ بدايات النهضة المباركة. سوقها كان مقصدًا، وشوارعها مأهولة، ومدارسها مُكتظة بالطلبة، وليلها لا يقل حياة عن نهارها.
اليوم، يدمع القلب قبل العين. مدينة روي تمرض يومًا بعد يوم، وتشيخ أمام مرأى الجميع. هجرها أهلها في هجراتٍ صامتة بحثًا عن سكنٍ أفضل، فأُغلقت المدارس التي كانت تعج بآلاف الطلبة، وأصبحت آيلة للسقوط، وتحولت مبانٍ كانت سكنًا للدبلوماسيين وكبار التجار ورجال الأعمال إلى فراغٍ صامت. مدينة تُفرغ من سكانها فتغادرها الروح قبل الحجر.
ومع ذلك، فإنَّ روي لا تزال تزخر بمعالم قادرة على إعادة الحياة إليها لو وُجد القرار. ففيها جامع السلطان قابوس بروي، أوَّل جامع بُني في مدينة روي، والذي شكّل منذ تأسيسه علامة دينية وحضارية ومركزًا اجتماعيًا لأهل المنطقة، وشاهدًا على بدايات تشكّل المدينة الحديثة. وفيها مبنى أوكي سنتر الذي كان رمزًا للحركة التجارية، إضافة إلى فنادق عريقة مثل فندق الفلج وفندق روي وكانت تستقبل الزوار ورجال الأعمال وتضفي زخمًا دائمًا على المدينة.
ولمن يظن أن روي فراغٌ بلا ذاكرة، فنقول له إن مدينة روي تحتضن مؤسسات صنعت تاريخها الحديث مثل وزارة التربية والتعليم، ومجمع الوزارات، ووزارة الدفاع، إلى جانب ساحة البلدية ومبنى جريدة عُمان. وفي الذاكرة الترفيهية، لا تُنسى سينما النجوم وسينما النصر، كما كان سوق روي التجاري ملتقى التجار ومساحة للتسوق، إلى جانب مساكن الشرطة. أما المدارس فتركت مدينة روي بصمة بين الأجيال مثل مدرسة روي للبنين، وروي النموذجية للبنات، ومدرسة نجيّة بنت عامر، ومدرسة حسان بن ثابت، والمكتبة الإسلامية، فقد خرَّجت قامات وطنية تتبوأ اليوم مواقع صنع القرار. هذه ليست أسماء عابرة، بل شواهد على مدينة كانت تُنتج الإنسان قبل الإسمنت.
المفارقة المؤلمة أن المنطقة التجارية في روي بما تضمّ من مبانٍ أُنفقت عليها مئات الملايين تحولت إلى مساحات شبه خالية. اليوم ولتأكيد مكانة روي فما زالت تضم مؤسسات حكومية مثل مبنى البنك المركزي العُماني، ومبنى وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وغرفة تجارة وصناعة عُمان، ومبنى بورصة مسقط وبرج الاتصالات وكل البنوك التجارية. وهذه المؤسسات قائمة بشموخ، لكن بلا حياة. البنية موجودة، والاستثمار قائم، والإنسان غائب.
إنَّ العصف الذهني لإحياء مدينة روي والذي شاركني فيه مجموعة من الأصدقاء أكدوا أن هناك حاجة لإحياء هذه المدينة وهذا ليس ترفًا ولا حنينًا؛ بل ضرورة. وأولى خطوات الإنعاش قد تكون بسيطة مثل أن تكون مواقف السيارات مجانية، والعمل على تنظيم الفعاليات، وتحسين الواجهات، وإعادة الإضاءة. لكن الحل الجذري يبدأ بالسكن؛ فلا مدينة بلا سكان. هنا تبرز أهمية أن تتولى وزارة الإسكان والتخطيط العمراني إدراج مدينة روي ضمن استراتيجيتها العمرانية كمدينة حضرية كبرى مُتكاملة.
كما إن الجبال المحيطة بروي قابلة للتطوير ويمكن أن تحتضن مجمعات سكنية حديثة توفر آلاف الأراضي والوحدات لأبناء المنطقة، مع منح مخططات إسكانية للشباب والجيل الجديد ودعوة السكان للعودة تدريجيًا إلى قلب مدينتهم. ويمكن دعم ذلك بإنشاء مواقف على أطراف وادي الكبير، وتحويل الوادي إلى رئة خضراء عبر تشجيره بشجر السدر المحلي، مع مسارات لمحبي قيادة الدراجات الهوائية وممشى مهيأ لمحبي رياضة المشي. كما إننا وفي سياق هذا المقال نُسوِّق مقترحًا لبلدية مسقط بإقامة سوق ليلي دائم في مدينة روي كما في العواصم العالمية وهذا السوق كفيل بإعادة الحياة بعد الغروب، وتنشيط الاقتصاد، وخلق فرص عمل، كما إن انتشار الحمام الذي استوطن في البنايات كفيل أن تقام ساحة للحمام ليكون عنصر جذب سياحي.
في خاتمة هذا المقال أوجه رسالة صادقة إلى أصحاب المعالي والسعادة والمخطِّطين وصنّاع القرار وأقول لهم: زوروا مدينة روي وتجولوا في شوارعها، وقفوا على احتياجاتها عن قرب، وشاهدوا ما تبقى من نبضها وما أصابها من وهن؛ لأنه حين تُرى المدينة على حقيقتها، ستنهمر الأفكار تباعًا.
ونختم هذه الصرخة بالتأكيد أننا سنُواصل سرد هذه القصة عبر سلسلة مقالات، لا بوصفها نقدًا عابرًا، بل رسالة مسؤولة لصنّاع القرار، تبدأ من روي وتمتد إلى مدنٍ عُمانية أخرى يهجرها أبناؤها بصمتٍ. فإما أن نُعيد للمدن قلبها، أو نكتفي بمشاهدة موتها إكلينيكيًا.
