"مجلس التعاون" على المحك؟!

 

 

 

ناصر بن جمعة الزدجالي **

 

في كل مرة تطرأ على السطح مشكلة تكون أطرافها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يحلو للبعض إطلاق أحكام على فاعلية المجلس، ويراهن على عدم قدرته على تجاوز الأزمة، حتى إن بعض ردَّات الفعل وصلت إلى حد الإعلان عن نهاية وشيكة للمجلس!

لا شك أن المجلس الذي تأسس في عام 1981، مرَّ خلال مسيرته بتحديات كثيرة، واختبارات عسيرة، لكنه في المقابل، يبرّهن، ولو في اللحظات الحرجة، أن المجلس وُجِدَ ليبقى، وأن أعضاءه على قناعة بأنه صمّام الأمان، والمظلة والإطار الأقرب، لمناقشة وإدارة الرؤى المختلفة للدول الأعضاء. وفي الحقيقة، إن الحال لا يختلف بالنسبة للأمم المتحدة، مع أن عدد الأعضاء هناك أكبر، والتباين أشّد، وبعض الأدوات كحق النقض (الفيتو) أكثر حدّة. قد تكون غير فاعلة، نعم، لكنها تبقى البيت الذي يجمع، والمنبر الذي تتحاور من خلاله الخصوم.

ومع إن المأمول من دول المجلس، أن تكون سياساتها أكثر توافقًا، والمصالح والأهداف موحّدة، بحكم أنها تنطلق من أرضية مشتركة، ويجمعها مصير واحد، ولها من الروابط ووشائج القربى، ما يحتّم عليها التكامل والتقارب، إلّا أن الواقع يفرض نفسه، وسلوك الدول- في أي تجمع كان- ينطلق بشكل أساسي من المصالح الوطنية، وأن تباين السياسات، واختلاف الأهداف أمر طبيعي جدًا، وإن بعض الممارسات والسياسات للدول، قد لا تحظى بالإجماع، ويمكن أن تصل إلى حد التعارض مع دولٍ أخرى. ومع ذلك، تبحث الدول عن وسائل ناجعة لإدارة كل ذلك.

المهم هنا، أن تُدار هذه الاختلافات بشكل عقلاني، وعبر نهج براجماتي عالٍ، وأن لا تنطلق الرؤية من نظرة أحادية، ومصالح ضيقة، أو تساهم في زعزعة الاستقرار، أو تؤثر على الأمن الوطني للدول الأعضاء، أو تؤدي إلى انزلاق الإقليم في متاهات وصراعات غير محسوبة. في مثل هذه الظروف، لا بُد من العودة إلى المبادئ، ومراعاة الأعراف، والرجوع إلى الثوابت والمصالح العُليا التي تجمع، لا التي تُفرِّق؛ فالمجلس كالأسرة؛ كلٌّ لا يتجزأ، مصلحتها واحدة، وأمنها مشترك، الصغير بها يحترم الكبير، ويقدّر مكانته، والكبير من جانبه يوقر الصغير، وكما إن وجود القائد، أو الأخ الأكبر مطلب، عليه في المقابل التزامات تفرضها طبيعة القدوة.

وبالنظر إلى مستجدات الشأن اليمني، وتداعيات الاستفزازات التي قام بها المجلس الانتقالي الجنوبي، والتي ترتّب عليها حالة من المواجهة المباشرة بين دول أعضاء بمجلس التعاون، ظنّ البعض أنها وصلت إلى مرحلة اللا عودة! غير أن الأمر الإيجابي في الموضوع، أن الأطراف أثبتت أنها على قدر المسؤولية، وتتحلى بالنضج الكافي. لا أناقش هنا بالضرورة المُخطئ من المُصيب، ولا الذي تسبب في وصول المنطقة إلى شفا المواجهة، وبعيدًا عن حسابات الربح والخسارة، إلّا أن ما يدعو للاطمئنان- على الأقل ظاهريًا- أن موقف الأطراف تميَّز بالعقلانية، واقترن الحزم بالاحترام، والحسم بالموضوعية، وأن تصرُّف الأطراف نبع من منطق الدولة، لا الأهواء الفردية، وبالهدوء لا الضجيج، وبتقييم واقعي للمرحلة قبل اتخاذ أي قرارات ارتجالية غير محسوبة.

ممارسات كهذه تشير- في حالة صدق النوايا- إلى نضج سياسي، وتؤكد الحرص على الوئام، كما أن مواقف دول هي أقرب للمشهد، كحالة سلطنة عُمان، تستحق الثناء والتقدير، ذلك أنها آثرت التهدئة بدل التصعيد، وانحازت للسلام بدلًا من تأزيم المشهد، وهو بالمناسبة حال دول المجلس الأخرى التي لم تصطّف وراء أي طرف.

وبالرغم من تمكُّننا من خفض حدة التصعيد، ولو بشكل مؤقت، لا يجب أن نغرق في التفاؤل ولا نستبق الأحداث، أو تأخذنا العزة بالإثم! من المهم العودة إلى الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة، وتحييدها، ودراسة التداعيات المحتملة ومعالجتها؛ فالمسألة اليمنية لا تزال ابعد عن الحل، وفرص التصادم لا تزال واردة، وفتيل الأزمة سيبقى مُشتعلًا. من زاوية أخرى، لا يعني انسحاب طرف من الميدان انغماس الآخر في الوحل، كما لا يعني انتهاء تأثير ذلك الطرف، أو زوال نفوذه بالكامل، وبالطبع، لا ينفي مسؤوليته، او الحاجة لدعمه الحيوي، تجاه الحل الشامل للحالة اليمنية. ويجب على الأطراف، تقبُّل ما حدث على أنه مصلحة جماعية. ولا يستوجب التشدد في السياسات، أو التفكير في جوانب سلبية.

ولنجاح الجهود، لا بُد من دراسة الانعكاسات بذكاء، وإدارة الحالة بتعاونٍ تامٍ من مختلف القوى المؤثرة؛ فالمتربصون كُثُر، والفراغ الاستراتيجي مُحفِّز للصراع، والقوى الإقليمية حتمًا، ستوظِّف الفوضى وحالة عدم الاستقرار لخدمة مخططاتها.

إن الانزلاق بشكل أعمق في مسار الدولة الفاشلة، يُهدد مصالح دول الخليج بلا استثناء، ويُكرِّس الفقر في اليمن ويوقّف التنمية، ويدعم إنشاء حاضنة مثالية للإرهاب. لذلك، لا بُد من حُسن النوايا، ووحدة الصف الخليج؛ فما يجمعنا من مصالح أكبر بكثير مما يبدو أنه يُفرِّقنا. لا يجب أن ننسى أن مستقبلنا يكمن في وحدتنا، لا الخصام والقطيعة، وفي توافقنا، لا في السعي في طريق المصالح الضيّقة. ولا يُفترض أن يشغلنا الصراع عن المعركة الأهم؛ وهي معركة التنمية والتقدم، والأمن، والأمان.

مرة بعد مرة، مجلس التعاون أمام اختبار صعب، والمتوقع منه أن يُثبت قدرته على الصمود، وكما يقال: الرصاصة التي لا تقتلك، تزيدك قوة وإصرارًا على مواصلة النجاح.

** خبير ومحلل استراتيجي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z