د. سليمان بن خليفة المعمري
يُعد ذكاء الفرد وصفاء عقله وذهنه أهم الأدوات اللازمة لظهور مواهبه وملكاته الفكرية، إذ يستعمل ذكاءه وحنكته في تطبيق ما لديه من مواهب وخبرات في واقع حياته، ويتجلى في تطبيقه السليم والمتقن للكثير من الممارسات الحياتية والعملية، ويعرف الذكاء -كما عند وِكسلر- بأنه" القدرة الكلية للفرد على التصرف بصورة هادفة، والتفكير بطريقة منطقية، والتعامل بفاعلية مع البيئة".
ورغم ارتباط الذكاء والموهبة بجوانب فطرية موروثة، إلّا أنّ تجلي ذكاء الإنسان وبروز مواهبه وقدراته يلزمه الكثير من التدريب والمران، إضافة إلى الكثير من المعززات البيئية والاجتماعية؛ حيث تشير الكثير من الدراسات إلى أنّ الذكاء ليس ثابتا لكنه يمتاز بالمرونة والقابلية للتغير سواء بالإيجاب أو بالسلب بناءً على أنواع المثيرات التي يتعرض لها دماغ الإنسان، ولذا فإنه لدى المرء القدرة على تعزيز الأداء المعرفي والفكري، وقد أصاب وزير التنمية الفكرية الفنزويلي لويس ألبرتو ماكادو، حينما قال: "إنّ لجميع الناس حقا أساسيا في تنمية ذكائهم".
على أنّ التركيز في بدايات دراسات الذكاء كان على تنمية مفهوم الذكاء العقلي أو الذهني الذي يكشف قدرات الفرد في الجوانب الأكاديمية والعلمية كالفهم والتذكر والتحليل من خلال مجموعة من الاختبارات كاختبار ستانفورد بينيه الذي تتراوح درجات المفحوص عليه بين (69-145) أي من التأخر العقلي إلى الموهبة العالية جدا، إلى أن جاءت التوجهات الفلسفية اللاحقة التي أكّدت على تمتع الإنسان بذكاءات متعددة أخرى شملت الذكاء: اللغوي والمكاني والموسيقي والرياضي والحركي والشخصي والاجتماعي والوجودي والطبيعي والروحي وغيرها، والواقع أنّه لا توجد أفضلية مطلقة لنوعية من الذكاءات على غيرها، وتختلف حاجة الإنسان لكل نوع وفقا للموقف الحياتي الذي يمر به؛ بل إنّ الدراسات أشارت إلى أنّ الذكاء العاطفي يتفوق على أنواع أخرى من الذكاءات ومنها الذكاء العقلي (الأكاديمي) خاصة فيما يتعلق بالجوانب المهنية والاجتماعية والنفسية والإنسانية؛ إذ تشير الدراسات إلى أنّ الذكاء العاطفي يسهم في نجاح الفرد المهني بنسبة تفوق (80%)، كما وجد أنه بنهاية العقد الأول من حياة الأفراد المهنية فإنّ المعادلة بين الذكاء العاطفي والعقلي تبدأ بالانعكاس إذ يتراجع أداء وإنتاجية الأفراد ذوي الذكاء العقلي المرتفع لصالح الأفراد ذوي الذكاء العاطفي المرتفع، وقد أصاب أمير الشعراء حينما قال:
وَكَم مُنجِبٍ في تَلَقِّ الدُروسِ تَلَقّى الحَياةَ فَلَم يُنجِبِ
على أنّ ذكاء الإنسان ومواهبه وملكاته الفذة رهن لما تتعرض له من محرضات معرفية وبيئية طيلة حياته، فما لم يكن هناك ما يستفز هذه المواهب والملكات وما لم تجد الرعاية والاهتمام والتهذيب والبيئة المحفزة للتميز والنبوغ فإنها ستظل عقيمة خاملة، أقرب للإعاقة والتراجع والتدهور، وعلى رأي وليم جيمس رائد علم النفس الحديث" لو ولد الفلاح الذي على ظهر حصانه، في البيئة والظروف التي ولد بها رائد الفضاء لأصبح رائد فضاء مثله"، وهو هنا يؤكد على الدور المحوري الذي تلعبه البيئة- ومنها البيئة التعليمية على وجه الخصوص- في تنمية سلوكياتنا وأساليب تفكيرنا وممارساتنا الحياتية.
لذا فإنّ هذه رسالة نبعثها بكل احترام وتقدير، مطوقة بأكاليل الورود والزهور إلى مربي الأجيال ليغرسوا في الناشئة حب العلم والمعرفة والبحث والاكتشاف، وأن يفتحوا عيونهم وعقولهم على المهارات المعرفية والفكرية وأن يستثمروا مهاراتهم وملكاتهم ومواهبهم فيما يمكّنهم من الاستفادة القصوى من المواهب التي يتمتعون بها واضعين نصب أعينهم أنّ" كل ميسر لما خلق له" فليبحثوا وليفتشوا فيما هم فيه مجيدون، فلكل عبقريته وتميزه، وأنّ المرء يكون موهوبا أو معوقا بالقدر الذي يغذي عقله وموهبته بالتدريب والمعرفة والمهارة والمران أو بالإهمال والكسل والخمول.
