عبدالنبي الشعلة **
هذه مشيئة الله وإرادته، وهذه سنة الحياة، ولا راد لقضاء الله الذي اختار أن يستضيف إلى جواره الصديق العزيز، رئيس مجلس إدارة مجموعة يوسف بن أحمد كانو العريقة بمملكة البحرين، الوجيه المرحوم خالد بن محمد كانو، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
بوفاته فقدت البحرين وجهًا من ألمع وجوهها، وعلمًا من أعلام العمل الاجتماعي والإنساني، وأحد أهم أعمدة الاقتصاد البحريني والخليجي. وفقدت عائلة كانو كبيرها وعميدها وقائد نشاطها الاقتصادي؛ تلك العائلة الكريمة التي تمثل شجرة وارفة، أعطت البحرين والخليج نخبة من رجالاتها المخلصين، وأسهمت منذ عقود طويلة في تطوير وتنويع النشاط الاقتصادي، وفي دعم أوجه التنمية بمختلف مجالاتها.
لقد كان المرحوم امتدادًا لتلك المسيرة العريقة، ومثالًا للرجل الذي جمع بين العمل الاقتصادي الرائد، والعطاء الاجتماعي الإنساني. فقد ساهم بجهوده وإدارته في ترسيخ دور مجموعة كانو في الحياة الاقتصادية البحرينية والخليجية، وتوسيع نشاطها وتطوير مؤسساتها، لتبقى هذه المجموعة علامة بارزة في تاريخ الاقتصاد الوطني، وقاعدة أساسية من قواعده. من خلالها تأسست شركات وبنوك ومؤسسات، وانطلقت مشاريع وفرت عشرات الآلاف من فرص العمل، وأسهمت في بناء الإنسان البحريني، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إلى جانب ذلك، كان للمرحوم خالد دور بارز في دعم العمل الاجتماعي والخيري. لم تكن مؤسسات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية بعيدة عن عطائه واهتمامه، فقد امتد أثر عائلة كانو، على يديه، إلى المدارس والمستشفيات والعيادات والمراكز الاجتماعية، سواء لرعاية الشباب أو كبار السن أو ذوي الاحتياجات الخاصة. لقد أدرك أن التنمية الحقيقية ليست اقتصادية فقط، بل اجتماعية وإنسانية أيضًا.
على الصعيد الإنساني، فقدت أنا شخصيًا ودائرة واسعة من جلسائه وأصدقائه المقربين إنسانًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ صديقًا وفيًا، طيب القلب، كريم النفس، دمث الخلق. كان دائم السؤال والتواصل مع أصدقائه، حتى وهو في أصعب ظروفه الصحية بعد أن اجتاز بحمد الله جلطة دماغية تعرض لها قبل بضع سنين. وقد ظل حريصًا على أن يجمع أصدقاءه، وأن يستضيفهم في لقاءات منتظمة، وكأنه يريد أن يؤكد دائمًا أن الصداقة أمانة لا يجوز التفريط بها. كان محبوبًا ومُهابًا، يحظى باحترام الجميع، من مختلف المستويات الرسمية والتجارية والاجتماعية.
عرفته رجلًا إداريًا كفؤًا، ملتزمًا ومواظبًا في أداء مسؤولياته، حريصًا على المتابعة والدقة، ومهتمًا بالتفاصيل دون أن يغفل الرؤية الكبرى. كان يتعامل مع عمله بروح الجد، ومع الناس بروح الود. جمع بين صرامة المسؤولية ورحابة القلب.
لقد جمعتني به دروب الخير والأنشطة والأسفار، التي كانت تهدف إلى الترويج للبحرين، واستقطاب الاستثمارات، ودعم جهود الدولة في تعزيز الاقتصاد الوطني. كانت مسيرتنا المشتركة ضمن أنشطة وفعاليات غرفة تجارة وصناعة البحرين عندما كنت عضوًا بمجلس إدارتها، ثم جاءت إحدى المحطات البارزة في علاقتي العملية به عندما كنت وزيرًا للعمل والشؤون الاجتماعية، وكان هو رئيسًا للغرفة. وقد فرضت طبيعة العلاقة بين الوزارة والغرفة تنسيقًا دائمًا ولقاءات دورية، خصوصًا فيما يتعلق بتنظيم سوق العمل.
في تلك اللقاءات، تجلت مواقفه المبدئية: كان غيورًا ومدافعًا عن مصالح القطاع التجاري والصناعي، لكنه كان في الوقت نفسه منصفًا، لا يفرط في حقوق الأطراف الأخرى، وبالأخص العمال. كان يدرك أن التوازن بين أطراف الإنتاج هو ضمانة الاستقرار والنمو، وكان يحرص على أن تكون مواقفه عادلة، لا تميل إلى طرف على حساب الآخر. هذه الروح المتوازنة جعلته محل تقدير واحترام من مختلف الأطراف.
لم يكن خالد بن محمد كانو رجل أعمال فحسب، بل كان شخصية وطنية بامتياز. امتد حضوره إلى ما هو أبعد من الاقتصاد والتجارة، ليشمل المجتمع كله. كان يرى أن واجب رجال الأعمال لا يتوقف عند إدارة الشركات وتحقيق الأرباح، بل يمتد إلى خدمة الوطن والمجتمع. وقد جسد هذه القناعة بالفعل، في ممارساته اليومية، وفي دعمه للمبادرات الخيرية والاجتماعية.
وما يضاعف الحزن في رحيله أن البحرين فقدت أحد رجالاتها الذين جمعوا بين القيادة الاقتصادية والإنسانية. فقد كان رمزًا لجيل من الرواد الذين أسسوا قواعد الاقتصاد الوطني الحديث، وأثبتوا أن النجاح لا يكتمل إلا بالعطاء.
أما أنا، فقد فقدت صديقًا عزيزًا، له في قلبي مكانة خاصة. صديقًا شاركني الهموم الوطنية، وجلسات الصفاء، وأسفار العمل، ومجالس الأنس. شخصًا من النادر أن يتكرر، بصفاء قلبه، وطيب معدنه، وسمو خلقه.
رحم الله الصديق العزيز خالد بن محمد كانو، وألهم أسرته الكريمة وذويه وأصدقاءه ومحبيه الصبر والسلوان. وعزاؤنا أنه ترك أثرًا خالدًا في نفوس كل من عرفوه، وفي كل مؤسسة دعمها، وفي كل إنسان استفاد من عطائه.
إنها مشيئة الله التي لا تُرد، ولكن عزاءنا أيضًا أن الراحل الكبير ترك لنا إرثًا من القيم والمواقف والإنجازات، ما يجعل ذكراه باقية ما بقيت البحرين وأهلها. وإننا إذ نودعه اليوم، نوقن أن ذكراه لن تفارقنا، وأن سيرته ستظل حاضرة في الضمائر، ملهمة للأجيال، ودرسًا في أن القيادة ليست منصبًا ولا سلطة، بل عطاء وإنسانية وصدق إخلاص.
رحم الله خالد بن محمد كانو، وجزاه خير الجزاء على ما قدم لوطنه وأمته، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
** كاتب بحريني