الطليعة الشحرية
قد تبدو قصة "نهب الثروات" في الشرق الأوسط، للوهلة الأولى، وكأنها حكاية فسادٍ أسطوريةٍ صِرف، لكنها في الواقع منظومة عابرة للحدود يتداخل فيها ضعف الحوكمة المحلية مع قنوات مالية وتجارية دولية شديدة التعقيد.
التطور الأحدث مع وحدة بنك HSBC السويسرية -حين قرّرت تحت ضغط تنظيمي إغلاق حسابات أكثر من ألف عميل ثري من الشرق الأوسط- يكشف لنا نافذة معاصرة على كيفية عمل هذه المنظومة، وكيف تتغير قواعد اللعبة عالميًا.
فبحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، شملت القائمة عملاءً من السعودية وقطر ولبنان ومصر، كثيرٌ منهم تفوق أصوله 100 مليون دولار، وذلك في سياق تشديد رقابي بعد إخفاقات تاريخية في العناية الواجبة مع ما يُسمّى الأشخاص المعرّضين سياسيًا.
كيف تخرج الأموال؟
تخرج الأموال عن طريق أربعة أساليب: إما الملاذات الضريبية، أو المصارف عابرة للحدود، أو تلاعب تجاري، أو قنوات السلع الحساسة والذهب.
الملاذات الضريبية وشركات الأوفشور: تسريبات وثائق بنما ووثائق باندورا كشفت حجم استخدام شركات واجهة لإخفاء الملكية وتحويل الأرباح بعيدًا عن الضرائب والرقابة. وفي السياق العربي، ارتبطت شخصيات رفيعة المستوى بكيانات أوفشور، وهو ما لا يُعد مخالفة بحد ذاته، لكنه يبرهن على مدى تغلغل هذه الأدوات في دوائر السلطة والثروة.
المصارف الخاصة العابرة للحدود: أوضحت تسريبات "سويس ليك 2015" كيف ساعدت الذراع السويسرية لـHSBC عملاء متورطين بالتهرب الضريبي والفساد. لاحقًا دفع البنك 40 مليون فرنك سويسري كتعويض في جنيف دون إقرار بالذنب. واليوم، يدفع التشدد الرقابي الجديد المصارف السويسرية إلى إعادة تقييم علاقاتها مع العملاء عاليي المخاطر، وهو ما يفسّر قرار HSBC الأخير.
التلاعب التجاري (Trade Misinvoicing): هذا هو القلب النابض للتدفقات غير المشروعة: ويعني تضخيم أو تقزيم الفواتير. وفق "جلوبال فيانانشال إنتجريتي" (Global Financial Integrity) بلغت فجوات التسعير التجاري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 58.6 مليار دولار عام 2018 وحده، وهو "نزيف صامت" يحدث عبر التجارة لا عبر البنوك فقط.
وإذا كان التلاعب في الفواتير هو الأداة الأبرز، فإن تجارة السلع الحساسة كالذهب تكمل المشهد بنفس الآليات عبر قنوات السلع الحساسة والذهب: تقارير حديثة أشارت إلى تهريب عشرات المليارات من الذهب الأفريقي سنويًا نحو أسواق تركيا وسويسرا وبعض الدول العربية. هذه المسارات تُظهر كيف تتحول ثروات طبيعية إلى أصول مادية أو رقمية عبر فواتير وهمية، فيما تلعب بعض المراكز الإقليمية دور "الممر" في هذه الشبكة.
معادلة تلاقي المصالح
ما يضمن استمرار الآلة هو تلاقي مصالح الداخل والخارج: في الداخل: نظم مشتّتة للمشتريات العامة، إعفاءات ضريبية غير مدروسة، ضعف استقلال القضاء، وتضارب مصالح في هياكل السلطة. في الخارج: صناعة كاملة لتقليل الأثر الضريبي (جزء قانوني وآخر إساءة استخدام صريحة)، ووسطاء يبنون شركات "صندوق بريد" لإخفاء المستفيد الحقيقي وتدوير الأرباح عبر ولايات قضائية متساهلة.
وليس أدلّ على الكلفة من تقديرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "الإسكوا" التي تشير إلى خسائر سنوية بين 60 و77.5 مليار دولار في العالم العربي نتيجة التدفقات غير المشروعة المرتبطة بالتلاعب التجاري والأسواق غير القانونية. إضافة إلى 8.6 مليار دولار سنويًا جرّاء إساءة استخدام الضرائب من قبل شركات متعددة الجنسيات في دول عربية متوسطة الدخل.
وحين تمنع الجهات الرقابية السويسرية المصارف من استقبال عملاء سياسيين جُدد أو تدفعها لإغلاق حسابات عالية المخاطر؛ فهذا يعني أن نافذة المصارف الخاصة تضيق أمام الأموال التي تعجز عن إثبات مصدر مشروع.
قرار HSBC لم يكن مجرد "حادثة علاقات عامة"؛ بل تغيير في هندسة المخاطر بالمراكز المالية العالمية. فبعد اكتشاف أن معاملات نقدية بنحو 300 مليون دولار (2002–2015) لم تخضع لتدقيق كافٍ، أصبح الضغط التنظيمي لا يُقاوَم.
لكن هذه "الإزاحة الجيولوجية" لا تعني نهاية القصة؛ بل تعني أن الأموال الرمادية ستبحث عن مرافئ بديلة أصغر أو أقل شفافية ما لم تُعالَج الأسباب المحلية التي تدفعها للهروب ابتداءً.
والنهب في المنطقة العربية ليس حادثة منفردة أو خطأ عابرًا في إدارة المال العام؛ بل هو نظام متكامل تتشابك فيه حلقات داخلية وخارجية: صفقة عامة متضخمة هنا، شركة أوفشور هناك، مصرف خاص يفتح الحسابات بلا تدقيق، وفاتورة تجارية تُفصَّل على المقاس لإخفاء الحقيقة.
هذه المنظومة لا تعمل في فراغ؛ بل تقتات على ضعف الحوكمة المحلية وتواطؤ مراكز المال العالمية، فتحوّل الثروة الوطنية إلى حسابات بعيدة أو عقارات فاخرة في عواصم الغرب.
لكن الأثر الحقيقي لهذا النهب يظهر في المجتمعات لا في البنوك. كل عقد حكومي مُضخَّم يعني مدارس أقل وتجهيزات صحية ناقصة. كل حساب أوفشور يعني شبابًا بلا وظائف وأُسرًا ترزح تحت نير الفقر. كل قصر يُشترى في أوروبا يقابله مستشفى بلا أجهزة في بلدة عربية.
هكذا يتحوّل المال العام إلى وسيلة لإثراء القلة على حساب الكثرة، وتتسع فجوة الثقة بين المواطن والدولة، فيما تتفاقم التبعية للقروض والمساعدات الخارجية.
إنه نظام يُنتج إفقارًا منظمًا: يسرق من التعليم ليُضخّم الثروات الخاصة، ويستنزف من الصحة ليُغذي الأسواق العقارية في الخارج، ويهدر فرص العمل ليديم بطالة الأجيال. لذلك، فإن مواجهة النهب ليست فقط معركة قانونية أو مالية، بل هي أيضًا معركة اجتماعية وأخلاقية من أجل العدالة والكرامة وحق الشعوب في ثرواتها.
لم يعد مقبولًا أن تبقى قصة الثروة في المنطقة العربية محصورة في سؤالٍ واحد: "كيف تُنهب؟"، فقد آن الأوان أن تتحوّل البوصلة نحو سؤالٍ أكثر جوهرية: "كيف تُستعاد وتُستثمر لخدمة الشعوب؟". إن الفضائح المصرفية، مثل قضية HSBC، لم تعد مجرد وقائع في عالم المال المغلق، بل هي إشارات واضحة على أن المجال يضيق أمام الأموال مجهولة المصدر، وأن النظام المالي الدولي يدخل مرحلة جديدة من التشدد والمساءلة.
هذه التحولات تحمل وجهين؛ فهي من ناحية تكشف هشاشة النُظُم المحلية وتعرّي ثغراتها، لكنها من ناحية أخرى تمنح فرصة تاريخية غير مسبوقة أمام الحكومات والمجتمعات العربية. الفرصة قائمة لبناء منظومة مالية وقانونية شفافة تضمن أن تعود الأموال إلى الداخل، لا أن تظل أسيرة الحسابات الخارجية أو الأصول المجمّدة.
المطلوب اليوم ليس مجرد إصلاحات شكلية؛ بل إرادة سياسية حقيقية تدعم القضاء المستقل، وتغلق منافذ التلاعب في العقود والتجارة، وتبني آليات تعاون إقليمي ودولي لاسترداد الأصول. بذلك فقط يمكن أن تتحول الأموال المنهوبة من رمز للهدر والفساد إلى رافعة للتنمية، والعدالة، وضمان مستقبل الأجيال القادمة، فالقضية ليست فقط أموال تُسرق؛ بل مستقبل أمة يُختطَف.