لم يجد للمنية عذرًا ليحيا

 

 

محمد النهاري

 

سطَّر المجاهد المقاوم يحيى السنوار أروع المثل وأزهى أشكال البطولة والإقدام والإباء لحظة استشهاده التي وثقها العدو سفاهة منه وقلة بصيرة، أظهر القائد مقبلاً بسلاحه هصورا فردا صائحا للمنايا هآنذا في معركة كان سيدها ومُلهمها خاضها سجيناً شاباً بين شوك السجان ومات بهياً شامخاً زاهياً متبخترا بسبحته وأذكاره.

مشهد عظيم تجلت فيه روح البائع لدمه المنادي للموت لتحيا أمته وشعبه بلا خوار ولا اختناس، جسد ما يقوله واقعاً وعملاً حيث قاتل قتالاً ضارياً وأثخن في عدوه منذ عامٍ ونيفٍ وأرغم العالم على إعادة النظر في استحقارهم الماسخ لقضية الأمة المركزية العادلة، وهز الحسابات السياسية الرخيصة التي أرداها الطوفان وأسقطها سقوطاً لا ارتفاع بعده.

لقد شكَّل المشهد الأخير حالة خالدة راسخة من التأملات العميقة في مدلولاته وعقيدة كريمة في بطله، فالقائد وجنده انعكاسٌ لبعض فما شهدنا على أبطال المقاومة إلا شجاعة وبسالة لم نشهد لها نظيرا، تواترت البصائر للناس من الجندي على الدبابة وتحتها والقناص المبتورة رجله والقائد الأبي في مشهد الجسارة الأخير حيث فقد يده مقاتلاً فأبى إلا أن يقاتل بالأخرى ويتجاوز الآلام في لحظاته الدنيوية الأخيرة وكأنه يأبى أن يترك للمنية عذرا منه فأقبل بنفسه طالباً لها فيرمي الطائرة المسيرة بخشبة أراد بها أن يقول هذا ما استطعت يا أمتي قاتلتهم بالصواريخ والسلاح والقنابل وبالخشبة فلا عذر من بعدي.

أغمد السنوار سيفه عن معركة وأحيا روحاً مشتعلة سرمدية في معركة الحق والباطل وفاحت رائحة القرنفل الزاهية من عطر الطوفان بميلاد شهيد سيحيا طويلاً في شعبه وأمته وأجيالا أرضع فيهم ترياق النصر ولن يفطموا منه ألا بإحدى الحسنيين نصر أو استشهاد، يا أهل غزة جعتم ونحن الجوعى، شردتم ونحن المشردين، قتلتم ونحن القتلى، عطشتم ونحن العطاش إلا إنكم ترونا ولا نراكم كحياة الشهداء عند ربهم أحياء يرزقون ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، منطق السُّمو والمعنى والحكمة والبصيرة الذي لا يعقله إلا ذو فطرة نقية سليمة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة