الجثّة رقم 1025

 

فاطمة اليمانية

 

"ألا يتخيل الأموات؟!

ألا ينسجون قصصهم الخاصّة بهم،

 وهم ينتظرون في ثلاجات الموتى؟!"

***

جذب الرداء من على وجهها، ثمّ أعاده دون أن يهتم بتغطيته كاملا كما يفعلون عادة مع الموتى!

-        هل أنتِ ميّتة؟

-        سمعتهم يطلقون عليّ: الجثّة رقم 1025!

-        فعلا.. هكذا يسمّون أجساد الموتى.

-        جثث.. جثث!

-        نعم.. ويعطونها أرقاما!

-        أرقاما عشوائية!

-        ربما تيمّنا بتاريخ ولادتك! الأرقام الأخيرة من هاتفك! رقم غرفتك في السكن الداخلي؟ رقمك في قائمة أسماء الدفعة الخامسة والعشرين للعام 2010!

-        امتياز مع مرتبة الشرف!

-        وفي جميع مناحي الحياة.. وفي توقيت وفاتك! وأن تقضي نحبك، مع ضحايا كورونا.

تلاشى الصوت الحيّ في ذهنها الميّت، وسَمِعت صوتَ أحد العاملين في المشرحة، وهو يقترب من ثلاجة الموتى، ويردّ على زميله الذي يدّون الأسماء بعد حصرها:

-        امرأة؟

-        وما يدريني؟! وجه متورم، أخضر مزرق، وشفاه سوداء! أعتقد أنّه من غير اللائق أن نسمي هذا الجثمان.. امرأة!

-        لو كانت على قيد الحياة؛ فلن تتوانى عن تلقيمك حذاءها!

-        يا لأمانيك السوداء!

-        ماذا أكتب؟

-        كائن غريب!

أغلقَ بابَ الثلاجة بقوة، فتردد الصوت الصادر على شكل دوائر تحلّقت حول رأسها؛ ليزداد شعورها بالصداع، الذي بدأ يتناغم مع دغدغات أطراف عنكبوت صغير يمشي على وجهها، تاركا أثرا من رذاذ، فصرَخَت بأعلى صوتها متوهمة أنّها الآن على كرسي الاعتراف، ويداها موثقتان للخلف، والمُحَقِّقُ يجذبها من شعرها، وهو يتوعدها بالمزيد من جلسات التعذيب، إن لم تدلِ بتصريحاتها السرّية عن حقيقتها:

-        أين خبأ زوجك الوثائق؟

-        اسألوه!

-        كيف نسأل ميّتا؟!

-        هل مات؟!

-        تستظرفين؟!

-        هل مات؟!

فشدّ شعرها بقوة أكبر، وأغرقها في سطل ماء حار!

-        اعترفي، كم دفعوا لكما؟!

-        من هُم؟!

-        اعترفي!

أدخل وجهها ثانية في سطل الماء، وفَرّت من يده كما تنسلّ سمكةٌ ملساء من يد صيّاد لم يحكم قبضته عليها، فارتطم رأسها في قاع السطل؛ لتشعر بسعادة لأول مرّة منذ وفاتها لأنّها ميتة!! وليس هذا المشهد سوى أضغاث أحلام، أو خيال!

-        لكنّكِ ميتة!

-        أتخيل؟!

-        وهل يتخيلُ الأموات؟!

-        ألا يتخيل الأموات؟! ألا ينسجون قصصهم الخاصّة بهم، وهم ينتظرون في ثلاجات الموتى؟

-        لا يفعلون!

-        وما يدريكم أنتم؟! من أخبركم العكس؟ ومن قال لكم أنّ تصوراتكم عن الأشياء الغيبية صحيحة؟! أنتم فقط تنظرون للأحداث من زاوية الأمور التي لا تثير قلقكم؟!

-        وأنتِ؟

-        الموت ليس إكليلا على رأس الميّت! أو كفنا أبيض؟!

-        ما الموت؟!

-        الموت ما أعيشه الآن.. ما أشعر به الآن؟! الموت أكبر من كلمة موت!

فشعرتُ كأنّ كلمة "موت" توقفت عن البلع في حلقها! حاوَلَت ازدرادها، ولم تستطع إلّا بعد جهد جهيد، بعد صرخة موجوعة.. مطحونة مع قطرات العرق الجاف على عنقها.. مع شيء يشبه سيلان الدم من جرح بارد! فحاولت ابتلاعها، ونجحت بعد سماعها صوتا أشبه بصوت انقطاع شريان ممتد من رأسها إلى أسفل عنقها!

صرَخت مستغيثة بالعامل ذي الحذاء العريض، وهو يجوب الممرات ماسحا أثر الأقدام أثناء انتزاع الجثث، وتعقيم الثلاجة بعد إخراجها، ولم يكن ليتذمر، بل كان يودع كل جثة بدعاء صادق، وآيات عذبة من القرآن الكريم، ويبكي عندما يصل إلى دعاء:

-        أنتم السابقون، ونحن اللّاحقون.

فاقتربَ من باب الثلاجة، وصرَخَت بأقصى طاقة على الصراخ:

-        هل من أحد هنا؟

-        لماذا تصرخين؟

-        أتألم!

-        وإن؟! يجب عليك التعايش مع حقيقة أنّك ميتة!

-        ميّتة.. ميّتة، لكن أحدهم شتمني منذ قليل!

-        وماذا تريدين الآن؟

-        أبلغ إدارة المستشفى!

-        ومن سيسمع ميّتة؟!

-        إذا كيف شعرتُ بوجع الإهانة؟

-        وهل تبقى لكِ شيء من كرامة؟!

-        ماذا تقصد؟!

-        أعني.. ارقدي في سلام.. وتذكّري أنّك الآن في مكان يتمناه البعض!

ثم أغلق باب الثلاجة، فاستعاذت بالله من نفسها، ومن شيطانها!، وتذكرت شيطانها:

-        هل يرَى ما يحدث معي الآن؟ ويبتسم؟!

-        هل يشمتُ شيطان المرء بموته؟!

-        وفقا لقوة إيمان المرء..

-        إيمان!

لصقت كلمة "إيمان" بحنجرتها، وفشلت في تحديد درجة إيمانها! حاوَلت كثيرا، وفشلت، نعم فشلت!

-        ليس فشلك الأول، فلماذا أنتِ مرعوبة؟!

-        مرعوبة؟

-        نعم.. مرعوبة!

سَمِعت صوتا موجوعا:

-        أين هي؟

-        هنا..

فُتِح بابُ الثلاجة للمرة الثالثة؛ وقال الطبيب المسؤول عن ثلاجة الموتى:

-        اقترب؛ لتتأكد بنفسك..

ثم رفع الغطاء؛ ليراها صاحب الصوت:

-        ليسَت هي!

-        هذه الجثة تحمل نفس الاسم والرقم والبيانات.

اقترَب منّها أكثر، وحدّق في وجهها.. ثم ابتعد، وقال للطبيب:

-        شكلها مختلف تماما.

-        أنت تعرف تأثير المرض!

-        الغريب أنّني لا أشعر بحزن الفقد؛ يبدو لي أنّها ليست هي!

-        هذا ما نسميه ذهول الصدمة.. ستشعر بعد الدفن!

-        لا أعرف!

-        اعتمد كلامي!

-        ويسمونكم ملائكة الرحمة!

-        وقّع على هذه الأوراق حتى تستلم الجثة!

-        أعتذر..

غادر المكان وخلفه صوت الطبيب:

-        إذا لم تستلم الجثة عن طيب خاطر.. ستأتي مجبرا لاستلامها!

دخل ممرض آخر بوجه مخطوف شاحب اللون، وقال للطبيب:

-        الجثة رقم 1025؟

-        ما بها؟

-        كيف وصلَت إلى هنا؟ ألا تعرف أنّها حالة وفاة بمرض كورونا؟

-        ماذا؟

-        كيف وصلت إليكم؟

-        ماذا تقول أنت؟

-        انظر قائمة الجثث.. الجثّة الأخيرة مفقودة، أُحضِرَت عن طريق الخطأ إلى قسم الأموات الخطأ.

-        ليس خطئي.. خطأ عماد الأحمق! كان مترنحا ليلة الأمس؛ فأحضر الجثة إلى هنا.

-        جميع من في القسم سيقعون تحت طائلة المساءلة!

-        أي مساءلة، وأي بطيخ! لقد فتحت باب الثلاجة مرتين متتاليتين.. أخشى أن تكون العدوى انتقلت إليّ.

-        وننتظر انتهاء الأزمة!

-        شكرا لك!

فُتِح بابُ الثلاجة للمرة الرابعة.. وكُشِفَ الغطاء من على وجهها؛ فقال أحدهم لزميله:

-        يبدو أنّ هذا اليوم مخصص للمشاهد القبيحة.

-        لم نرَ جمالا من العام الفائت!

-        ولن ترَ ما حييت!

-        اللعنة!

-        سيبلعك الوباء.. ولن نجد لك سريرا.. ولن نضع لك جهاز التنفس؛ لأنك ملاك الرحمة! فلا بد أن نؤثر عليك الآخرين، فهم أولى بالأسرّة والأجهزة.. والحقن!

-        حُقن؟

-        نعم.. حقن!

كانت عقارب الساعة تمشي ببطء.. ثمة زمن أقل من الفيمتو ثانية، والنينو ثانية!

زمن الانتظار في غرفة الموتى..

وجدال الأهل مع موظفي وممرضي المشرحة والطبيب المسؤول؛ لاستلام الجثة أو تركها! وقد يبدو الوجه الأليف أكثر تعنّتا في استلامها، وقد يسقط أكثرهم جَلَدا أمام جثة الفقيد كمدا وحزنا!

الأمور ليست كما تبدو.. وهذا يعني أنّها قد تكون حية.. وتتوهم الموت الآن؟

-        أو تدّعيه؟

كما حدث عندما تماوتت أمام والدها الغاضب؛ لأنّها رقصت في حفل زفاف خالها، وكانت في الخامسة وقتها؛ فخشيت أن يضربها؛ فمثلت دور الميتة! لكنّه جذبها من يدها، وأجلسها مبتسما:

-        الرقص للجواري والإماء!

-        الإماء!

ولو عاش والدها إلى هذا الوقت؛ لاكتشف أنّها لم تتوقف عن الرقص؛ بل مارست الرقص سرا:

رقصت على جراحها! وعلى خيباتها المستمرة! رقصت وهي ترتدي كفنا ذات وجع.. مقلدة طقوسا خرافية لبعض القبائل البدائية الذين يؤمنون بأنّ ارتداء الكفن والرقص به يبعد لعنة النحس!

فُتِح بابُ الثلاجة للمرة الخامسة:

-        1025.. جثة امرأة.

-        كورونا؟

-        نعم.. جيء بها عن طريق الخطأ!

-        هيا لنخرجها قبل اكتشاف إدارة المستشفى!

جذبها الممرض بيديه الغليظتين:

-        أوف.. بدينة!

-        احذر!

أوقعها على الأرض؛ فشعرت كأنّ جسدها تحطّم، وصرخت.. صرخت من أعماق.. أعماق قلبها المتوجع!

قال له زميله:

-        أحمق؟

-        ميّتة.

-        ولو!

-        لا تشعر..

-        وما يدريك؟! ثم لماذا الخوف؟ وأنت مغطى من قمة رأسك حتى أخمص قدميك؟!

رفعا جثّتها، ووضعاها على السرير المتنقل إلى المغسل:

-        كورونا!

-        وإن كان؟ فلا بدّ من تغسيل الموتى قبل دفنهم.

-        يا لكم من..

-        مسلمين!

مضَيا بها في ممر ضيق.. كان أحدهم يرتل آيات من القرآن قاصدا تذكير زميلة:

قال تعالى: {ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ}

وكان زميله يدندن بكلمات من أغنية أجنبية (سواي) لفرانك سيناترا؛ لكنهما صمتا عند اقترابهم من غرفة تغسيل الموتى، وقال الممرض الفظّ:

-        ووهان وصلت! 

-        يا لنذالتك!

أطلق ضحكة رعناء؛ فقالت الممرضة للممرض المتدين:

-        ألم أقل لك ألّا تحضر هذا الأحمق معك!

ساد صمتٌ موحش، لكنّه تلاشى حال سماعها أدعية ندية، أخذت الممرضة تدعو بها، وكانت تجهل من تعني، حتّى وضعت يدها على كتفها! وبكت على نفسها! لأنّها علميا ميّتة! والواقع يقول بأنّها لن تستطيع رؤية ابنها للأبد!

-        للأبد!

(يتبع)...

تعليق عبر الفيس بوك