الثلاثاء, 21 مايو 2019
38 °c

طالب الرفاعي (في الهُنا) بين مكان السارد وزمان المسرود عنه (1-2)

الأحد 17 مارس 2019 08:54 ص بتوقيت مسقط

د. يوسف حطيني (1)
د. يوسف حطيني (2)

 

أ.د/ يوسف حطّيني | ناقد وأديب فلسطيني بجامعة الإمارات

تقوم رواية (في الهُنا) للأديب الكويتي طالب الرفاعي على التبئير المزدوج للزمان والمكان. وإذا كان عنوانها العربي يحيل على الجانب المكاني فحسب، فإنّ العنوان الذي ذيّله به في الصفحة الداخلية الأولى (Here And Now)، يدلّ على أنّه يتقصد بالضبط (الآن ـ هنا)، غير أنّه ربّما خشي تنازع الذاكرة الثقافية مع عبد الرحمن منيف الذي جعل العنوان ذاته عنواناً فرعياً لروايته الشهيرة: شرق المتوسط.
وبين الـ (هُنا) التي يحتفي بها طالب الروائي/ السارد، و(الآن) التي تحتفي بها كوثر بطلة الرواية/ الساردة تنشئ الروايةُ حكايتَها وأحداثها؛ لتتناول موضوع العشق من زاويتين: اجتماعية ومذهبية؛ حيث يصطدمُ العاشقان بقيود تغلّ المجتمع بكلّ فئاته.
الروائي السّارد الّذي قرّر أن يتحمّل عبء السرد نيابة عن سارد خارجي يعيش في الهُنا التي تحيلُ على غرفة مكتبه، سعيداً في سجن الكتابة الاختياري:
•    "غرفة مكتبي صغيرة بطقم صوفا بني داكن، وحوائط بيضاء مسالمة، ومكتب بني اللون وكومبيوتر، ومجموعة كتب ومجلات، وصراخ افكاري وضجيجها.. أنا سجين الـ هنا"، ص41.
•    "وحدي هنا في غرفتي رقم "33"، في الدور الأول من مبنى "المدرسة القبلية"، التابع للمجلس الوطني للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، في منطقة "المباركية"، قرب أسواق الكويت القديمة. ص7.
•    "هنا في غرفة مكتبي، وباستثناء ألم الديسك والوحدة والصمت، لا يشاركني أحد خلوتي"، ص77.
•    "هنا في غرفة مكتبي، يلكزني ألم الديسك في ظهري، ينبّه خدر ساقي اليسرى، يزجرني إذا أطلت الجلوس أمام الكومبيوتر، فأتوقف عن الكتابة"، ص40.
إنّ طالب الرفاعي هنا نقيض كوثر الإطار/ كوثر البطلة الساردة التي تتحمل عبء الزمن، حيث الزمن الواقعي بالنسبة لها لا يتجاوز ما بعد ساعات الفجر، وصولاً إلى ما قبل التاسعة صباحاً؛ حيث ينتظرها موعد مع حبيبها مشاري، ووعدٌ بالذّهاب إلى المحكمة لعقد قرانهما.
•    "منذ فتحت عينيك مع أذان الفجر وأشواك خوف أسود تدبُّ عليك، تستذكرين منعطفات قصتك ومشاري، وارتجافات لحظات حياتك المقبلة بين الاماني والرهبة."، ص 80.
•    "أضواء الساعة الحمراء تظهر السادسة إلا ربعاً، ما زلتِ ملتفتة بكسل الصباح الألذّ"، ص48.
•    "لا تدرين إلى أين سيأخذك قرارك اليوم، وما الذي ينتظرك في حضن عيشة الزواج.. أرقام الساعة الحمراء تظهر: السابعة إلا ربعاً، صار يجب ان تنهضي"، ص123.
•    "ربما بعد ساعات سأستلم بيدي ورقة عقد قراننا"، ص33.
•    "البارحة اتفقت معي: سأمرّ عليكِ في التاسعة"، ص19.
* * * * *
هذا النوع من التقاسم التأطيري بين الساردَين صبغ الشخصيتين بصبغته الحادة؛ إذ يسير الزمن ببطء شديد على كوثر، بينما يمتد بين يدي طالب، حين يسرد عنها، بعكس المكان الذي يشدّ "طالب" إلى غرفته، بينما يشدّها إلى البحر واليخت والمول والمطعم والبحر، خارج سجنها الذي يطبع روحها "بشيء سري مؤلم"، ص47. وبين مكانه الممتد وزمانها البطيء المرتدّ تنشأ الحكاية، وتتكشف عن شخصيات رئيسة حاضرة تؤثر في الحدث، وشخصيات فرعية تستند إلى عادات المجتمع وتقاليده، وشخصيات طيفية باهتة، إضافة إلى الحاضر الغائب: مشاري.
تقود كوثر السرد والحكاية بكفاءة عالية: تقدّم نفسها وحبيبها وعائلتها، تاركة لطالب/ السارد (فُتات السرد)، وهي تبدو في هذه الرواية مشاكسة حادة المزاج منذ الطفولة، وإن وشّحت بعض مواقفها باستسلام أمام سطوة حبيبها، درءاً لبعض المشاكل:
"البارحة قلت لي: زواج هادئ.
أردتُ أن أصحح لك: زواج السرّ، زواج السرقة، لكنني تحاشيتُ إشعال خلاف جديد بيننا"، ص86.
لقد خرجت كوثر الساردة عن تعاقبية السرد عبر ذاكرتها إلى امتدت إلى طفولتها، ورصدت مجموعة من المواقف التي تكشف جرأتها ومشاكستها، وخروجها عن السياق الاجتماعي. ولعلنا نشير هنا إلى الآخَر في حياتها المبكرة؛ حيث ألمحت بأنّ أحدهم تقرّب إليها في المرحلة الثانوية، وكان حديثه يتجه دائماً نحو الجنس، فنصحته أن يقرأ أياً من روايات دوستويفسكي، ثم يعود للحديث معها، فاختفى، وواجهت آخر كان يجلس خلفها في الجامعة؛ ليشم عطرها، قائلة إياه: لماذا لا تنظر في وجهي، وحين سألته: تحبني؟ هرب أيضاً. وإذا كان الموقفان السابقان يكشفان فتاة قادرة على مواجهة الآخر، خلافاً للسائد الاجتماعي، فإنّ كوثر تخترق هذا السائد دون خوف، بل بجرأة "نمرة"؛ حيث اكتسبت هذا اللقب بعد مشكلة جرت بينها وبين أستاذة الرياضيات:
"ـ حيوانة.
وارتفعت كفّها لتدوّي صفعتها على وجهي. شعرت أن شراراً تطاير من عينيّ وخديّ، ولا أعرف كيف قفزتُ عليها! نشبتُ كفي في جانبي رأسها، دفعتها لتقع على ظهرها، وجثمتُ على صدرها...."، ص70.
وثمّة موقف آخر يعزّز صفتها المشاكسة؛ إذ كانت تدخن في حمّام المدرسة، وعندما تم الإمساك بها كان تسويغها لما قامت به مفاجئاً، ولكّنه صحيح على كلّ حال: "المدرسة تمنع التدخين في الساحة"، ص67. وحين هددتها المدرّسة الأولى بإخبار أهلها، قالت: "أنا أدخّن مع والدي"، 68.
ومن المرجّح أن وضعها العائلي قد سمح لهذه السمات بالبروز، فقد عاشت في أسرة من خمس بنات هي أصغرهنّ: "أبي اتخذ قراره، كوثر ستكون بنتنا وولدنا"، ص34. وبناء عليه صارت كوثر "دلوعة بابا"، وهذا ما أدّى إلى تأجيج مشاعر الحقد في قلوب أخواتها وأمها، خاصة حين صارت تشارك والدها القهوة والقراءة ومجالسة الأصحاب الذين كان "عمّها طالب" واحداً منهم.
حين تخرجت كوثر وعملت موظفة في بنك صادف أن كانت مسؤولة عن إنجاز معاملات مشاري، وسعت إلى لقائه في مكتبه بعد أن قدّم لها مجموعة من الهدايا، مكافأة منه على حسن أدائها، قبل لقائهما:
"أنهيت حديثي حول وضعك المالي، نهضت لأقدّم كيساً وضعته على مكتبك:
ـ ما هذا؟
سألت وقد علت الدهشةُ وجهكَ، وبجملة رددتها مع نفسي قلت لك:
ـ هداياك.
وأزيد من مفاجأتك:
ـ أنا أغنى منك"، ص21.
وإذ تطورت العلاقة بينهما إلى الحبّ كان مشاري يتحاشي ذكر زوجته الأولى، كما يغضب حين تسأله كوثر أسئلة تبدأ بـ : أترضى لزوجتك أن ......، غير أنّ كوثر تثور، وتكشف تناقضاته من خلال مواقف متعددة، نشير إلى اثنين منها:
•    "تصحبني في موعد غرامي جالساً في سيارتي وتهينني! تدفع عن زوجتك أن تكون مثلي! وأنا أغلي. خففت من سرعة السيارة لحين توقفت على جانب الطريق، قرب مدخل المستشفى، وصرختُ بك: انزلْ"، ص17.
•    "ـ نلتقي في اليخت.
ـ نلتقي في أي مول أو مكان عام.
أكّدتُ عليكَ ففحَّ صوتكَ:
ـ اليخت أسترُ.
ـ أسترُ لكَ"، ص66.
وعلى الرغم من كلّ ذلك؛ فقد بدا واضحاً أن ثمة محاكمات عقلية بدأت تحكم حياة كوثر، وثمة حزنٌ بدأ يتسلل إلى نفسها بسبب مشاري، "جبل المواجع والحزن والألم"ص33، وكثيراً ما كانت تتسرب إليها أسئلة حول زوجته وأبنائه:
•    "ما ذنبُ هذه المرأة وهذه الطفلة؟" ص15.
•    "هل يحقّ لي سرقة زوج من زوجته وعياله"، ص99.
غير أنّ طبيعة شخصيتها الميالة إلى التمرّد والاستقلالية جعلتها تتجاوز تلك المحاكمات، وتتجه بثبات نحو قرار الزواج، مستندة إلى أنّ "الحياة أقصر بكثير من أن نتهيب الخوض في طين دربها اللزج"، ص154. كما تقول في عبارتها الأخيرة.
* * * * *
في المقابل يبدو مشاري من وجهة نظر كوثر شخصية إشكالية، تتناقض فيها الرؤى والمشاعر، غير أننا إذا استعدنا تصوّر الساردة المعشوقة، ودققنا فيه فإننا سنميل إلى تكوين نظرة محايدة عن رجل يهتم بجسد المرأة، ويسير في السبل المختلفة، ويغّير الخطط، سعياً للوصول إليه؛ فقد بدا جذّاباً في السياقات الروائية الأولى، على نحو ما نقرأ فيما يلي: "أنت مشاري، شخصية مرموقة في المجتمع، باسمك ولقب عائلتك العريق، وعائلة زوجتك، ونفوذ وظيفتك. مظهرك الرجولي يشع بالجاذبية، ويجعل أقرب العاملين معك يقف معجباً بهدوئك وأدبك ولباقتك"، ص12. غير أنّ كوثر حين تقترب منه تجده هشاً، ضعيفاً، لا يجرؤ على التعبير عن نفسه إلا في الظل: "أنت من الخارج تغري أي فتاة أو امرأة للتمسح فيك. أنا كوثر رفعت عنك غطاءاتك الهشة"، ص12. حتى إن مواقفه بدت متوافقة مع صفتي الهشاشة والضعف، تحت سطوة الجسد، والسائد الاجتماعي، على الرغم من السطوة والنفوذ، ومن ذلك ما حدث بينهما في مطار لندن: "لحظة نزلنا من الطائرة أمسكت بكفك، ومعاً سرنا، ولو أني كنت أشعر بأنك محرج وخائف من أن يراك أي من معارفك، وأنا متعلقة بذراعك"، ص89.
لقد أدركت كوثر، في مرحلة مبكرة من علاقتهما عن شغف مشاري بجسدها، ولم تكن غايات حركاته والتفاتاته وزياراته خافية عليها، فهي تسميه "رجل اللذة العابرة"، ص13؛ وتدرك من خلال المواقف المختلفة ما يسعى إليه، فقد صرّح لها بأنها "امرأة لا تقاوم"، ص84، في إشارة جنسية فجة، لا يساويها فجاجة إلا سؤاله: "أنتِ بكر؟"، ص94، وفجاجة زيارته إلى شقتها في الثانية صباحاً: "وفي المرة الثالثة حضرتَ بعد الثانية صباحاً؛ ولأنني كنت نائمة تفاجأت برنة جرس الباب، فأسرعتُ أدخلك. وقفت منكسراً تنظر إليّ، وأنا أقف بقميص النوم"، ص29.
وربما تطرح شخصية هذا الرجل علينا سؤالاً حول التسويغ النفسي لشغف كوثر به، على الرغم من ولعه بجسدها، وانسياقه إلى كل ما هو جسدي، على حساب ولعها الثقافي الذي ورثته عن أبيها:
"رحتَ تنطر إليّ فأكملتُ:
حجزتُ من الإنترنت تذاكر لأكثر من مسرحية.
كنتَ تنظر إليّ بشيء من الاستغراب"، ص92.
هو ليس رجل مسرحيات، إنه يريد فقط أن يذهب إلى غرفتها في الفندق، وأن يحاول فتصده، ويحاول فتصده، ويغير الخطط إلى أن يحاول فينجح، مذكّراً القارئ بزيارته الأولى إلى شقتها، حيث "وضع الورد على الطاولة، ورمى عقاله وغترته كاشفاً شعره الذي أحبّ، ونفخ بحرقة: أخيراً."، ص142.
وبناءً على مواقف مشاري تبدو الحبكة مرتبكة قليلاً، وربما كان ينقص الرواية سارد ثالث هو مشاري الذي صرّح بنفسه لمعشوقته "في بداية علاقتنا كنت أنوي الوصول إليك، لكنني أحببتك"، ص151؛ حتى يتمكن القارئ من كشف مخبوء هذه الشخصية، فشخصية بحجمه وتأثيره يجب ألا يحجب تفاصيلها سارد آخر.
وربّما تغلّب الخيار الفني للكاتب (استخدام تقنية الميتا سرد) من خلال إقحام نفسه، بوصفه سارداً، على الخيار الأكثر مناسبة (أعني وجود سارد آخر)، فقدّم سارداً يرى في الكتابة خلاصاً روحياً، ويرى في كوثر ابنة صديق، يحتضها، ويقبّلها مثل ابنته، حتى أمام زوجته شروق، وإن كان يستخدم في بعض الأحيان لغة لا تناسب ما ذهبنا إليه:
"تخيّلتُ كوثر تتمايل بطولها اللافت، وهي ترتدي الثوب الزري، تتثنى بغصن جسدها، ترقص بتؤدة رقصة السامري:
قلت العبي قالت أنا رياضية      أبا تعلّم لعبة الشباني"، ص114.
* * *  * *

 

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية