السبت, 23 مارس 2019
23 °c

مقال : المال في الإسلام

الثلاثاء 08 يناير 2019 07:43 م بتوقيت مسقط

المال في الإسلام

جمال النوفلي

قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، كانتْ هناك حربٌ اقتصادية شَعواء أخرى يُمكن أن نُطلق عليها حرب العملات المالية؛ حيث كانتْ الدول الكبرى وقتها تُحاول أن تفرض سيطرتها ونفوذها العسكري والسياسي على التجارة العالمية، عن طريق ترسيم عملاتها كعملة رسمية، تلتزمُ كثيرٌ من الدول باستخدامها كعملة دون سائر العملات الأوروبية والأمريكية الأخرى، والتي كان يُتعامل بها حول العالم، إلا أنَّه وبانتهاء الحرب العالمية الثانية -التي أطاحتْ ببعض الدول العظمى- والتي ظهرت فيها الولايات المتحدة الامريكية براية المنتصر الأبرز، فإنَّ ذلك النصر سَمَح لها بأن تفرض على الجميع أن يعتمد الدولار كعملة رسمية عالمية في التجارة، حتى إنَّ بعض الكتب أكدت أن أمريكا سدَّدت لستالين بعد الحرب مبلغا وقدره 15 مليار دولار؛ لكي يتنازل ويعتمد الدولار كعملة في دول الاتحاد السوفييتي.

طبعًا اعتماد الدولار كعملة رسمية يُعطِي الولايات المتحدة الأمريكية الحقَّ في الجلوس على عرش الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، ويخوِّلها أيضا بأن تفرض أنظمتها وسياستها على أوروبا وباقي دول العالم، كما هو واقع ومعاش اليوم، المغزَى من هذا السَّرد التاريخي هو أنَّ هناك أنظمة عالمية ومالية تم وضعها بدقة وإحكام من قبل مجموعة من الخبراء وعلماء الاقتصاد والساسة لتصبَّ نتائجها في مصلحة الدول التي ترعاها وتضعها وتراقبها، وهذا التصرُّف هو حقٌّ طبيعيٌّ لهم كدول منتصرة، ثم إنَّ هذه الدول التي قاتلت وأنفقت من أجل هذه الأنظمة لم ولن تسمح بتغييرها من قبل أطراف آخرين، إلا إنْ كانت تلك التغييرات تخدم توجهاتها ومقاصدها، على أنَّ كل تلك الأنظمة والتوجهات البراجماتية قد حَدثت وتحدث بعيدا كل البعد عن الانتماءات الدينية والفكرية والعرقية.

والذين دَرَسوا علوم الاقتصاد وفهموها جيدًا بإمكانهم أن يعُوا تلك الحقائق بكل سهولة ويُسر؛ لأنَّ علم الاقتصاد ومبادئه تعطِي صاحبها الأدوات والقواعد الأساسية لفهم طبيعة السلع والمال وتداولها وقوانين حركتها، وهي ذات المفاهيم التي ينبغي على أفراد المجتمع أن يُدركوها ولو بشكل بسيط، ففهمنا لمعنى الاقتصاد ومبادئه يساعدنا على فهم الطريقة التي تتعامل بها الدولة مع مختلف القطاعات فيها، أو فيما بينها، كما تُساعدنا على تغيير نمط حياتنا وإدارة مواردنا بشكل جيد وسليم، بل إنَّ وجود ثقافة اقتصادية لدى أفراد المجتمع الواحد أمرٌ ضروريٌّ وجيدٌّ، فهي سوف تنعكس أيضا على سلوكياته وتوجهاته ومطالباته، وسيساعد ذلك الوعي المجتمعي أولئك الخبراء الاقتصاديين على تقديم دراسات وآراء سليمة لصناع القرار، إنَّ شيوع المفاهيم الاقتصادية الخاطئة في مجتماعتنا يضر بها أيما إضرار، كتلك الأفهام التي تظن أن رفع الحد الأدنى للأجور سيرفع من المستوى المعيشي لأبناء البلد، أو خفض سعر الفائدة سيزيد من وفرة السيولة في الأسواق، أو تعمين الوظائف سيحل مشكلة البطالة أو فرض الزكاة على الناس سيحل مشكلة الفقر.

إنَّ علم الاقتصاد بالمعنى البسيط له هو العلم الذي يدرس إدارة الندرة في مقابل الرغبات، طبعا هناك تعريفات كثيرة ومتنوعة، لكنَّ جميعها لا يخرج عن ذلك المعنى البسيط؛ فالاقتصاد كعلم يعتبر من علوم الاجتماع؛ إذ يدرس الظواهر الاجتماعية والمالية وحركة المال والسلع، ليضع عليها قواعد وقوانين ثابتة يمكن من خلالها للخبراء والاقتصاديين أن يضعوا الحلول والاكتشافات والدراسات. ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نلاحظ أنَّ الاقتصاد من حيث أنه علم إنساني بحت، فإنه ليس له هوية أو دين، ولا يمكن لنا أن ننسبه إلى عرق أو فكر، فلا يمكن لنا أن نقول مثلا إنَّ هناك اقتصادا مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا؛ فحاله كحال العلوم الأخرى كالكيمياء والفيزياء والرياضيات.

إذن، إذا كان الإسلام لم يأتِ بشيء من الأنظمة أو الفلسفات والنظريات التي يُمكن أن نُطلق عليها مناهج اقتصادية أو نظريات يُمكن أن يعتمد عليها اقتصاد دولة ما؛ كتلك التي في الرأسمالية أو الشيوعية أو الاشتراكية، فماذا يُمكن أن نطلق على هذه المنظومة من المؤسسات المختلفة والمتنوعة، التي تجري كثيرا من التعاملات المالية التي تُنسب إلى الدين الإسلامي؟ ولكي نُجيب عن مثل هذه التساؤلات، علينا أولا أن نعي النظرة التي يرى بها الإسلاميون المال، والنظرة التي يراه بها الآخرون؛ فالمال في الاسلام هو كل ما يصحُّ امتلاكه شرعا، وهو أيضا ليس ملكا للإنسان، بل هو ملك لله عز وجل فقط، والله تعالى هو الذي استخلفَ الإنسان على هذا المال لكي يُعمِّر به الأرض، أي أنَّ الإنسان لا يصح له أن يستخدم هذا المال الذي في يده إلا وفق ما يراه الله والشرع الحنيف؛ إذ يقول الله عز وجل: "وأنفقوا مما جلعكم مستخلفين فيه"، لهذا نجد أن تعريف علم الاقتصاد عند الإسلاميين هو مجموعة القواعد والأسس الشرعية التي يَسير عليها المجتمع لتنظيم شؤونهم الاقتصادية. ومنه نُلاحظ أن أسس الاقتصاد الاسلامي مبنية على مبادئ وفرضيات ميتافيزيقية؛ حيث الله هو من يختار ويحدد الأشياء التي تصح أن تكون مالا، والتي لا تصح، والمعلامات الجائزة وغير الجائزة، وطبعًا يتم ذلك عن طريق علماء وفقهاء مُتمكِّنين مُتخصِّصين في استنباط أحكام الله من كتابه، أو من روايات وأخبار وسيرة نبيه، وهذا بالضبط ما يُؤكد ما أسلفت به في المقال السابق، وهو أنَّ دور الاسلام هو أن يبيح ما هو موجود من المعاملات المالية أو يحرمها، أخذًا بالقاعدة الأصولية "الأصل في الأشياء الإباحة"، كما أن ليس للاسلام دور في ابتكار أي نظريات أو أساليب اقتصادية حديثة.

على أنَّ ذلك كله لم يمنع المؤسسات الإسلامية نفسها من أن تُعيد طرح الأساليب التجارية والتمويلية الحديثة بطريقة تتوافق مع الشريعة الاسلامية، ليتم تقديمها وكأنها جزء من المكون للاقتصاد الاسلامي. وهو الأسلوب الذي يُطلق البعض عليه "أسلمة الأشياء". مع أني لا يفوتني هنا أن أذكر أن كثيرا من العلماء والمفكرين المتأخرين قد طالبوا أن يكون للمسلمين مُنتجاتهم وابتكاراتهم الإسلامية المستقلة بعيدا عن ابتكارات الأمم الأخرى، أي أنها مُستمدة أساسا من الشريعة الإسلامية نفسها وليست مُقلدة للغير، لكن دعواتهم تلك قد تصطدم بالطبيعة الربانية الغيبية للشريعة الإسلامية وأحكامها.